JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

عائلات لبنانية شُطبت من السجلات: لم يبقَ من يروي الحكاية

خط المقالة

جنى شقير - المدن

لم يبقَ من بيت زينب رحّال في بشامون، سوى حقيبة المدرسة لابنتها الصغيرة مايا. طارت الحقيبة مع عصف انفجار صاروخين استهدفا المبنى الذي كانت العائلة تقيم فيه، وحطت في مكان بعيد عن المنزل. تحوّلت شقتها في المبنى إلى ركام، لكن زينب وبناتها الثلاث نجون بالصدفة، أو بما تصفه هي بالعناية الإلهية.

في ذلك الصباح ألزمتها موجبات العمل بالتوجه إلى مكتبها في بيروت، فاصطحبت بناتها الصغيرات إلى منزل شقيقتها. ففي تلك اللحظة كان زوجها، الموظف في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، عالقاً في مهمة إنسانية لإيصال مساعدات إلى بلدة عين إبل الحدودية. أما والد زوجها، الذي اعتاد البقاء مع الأطفال، فلم يتمكن من الوصول إليهم في ذلك اليوم. بعد ساعات فقط، جاءت الغارة ودمّرت المنزل بالكامل. 

زينب، الموظفة في الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات، كانت قد غادرت منزلها في النويري منذ بداية العدوان الإسرائيلي مطلع آذار، وانتقلت إلى بيتها الثاني في بشامون اعتقاداً بأنه أكثر أماناً. لكن فكرة "المنطقة الآمنة" التي يتداولها اللبنانيون سقطت أيضاً تحت القصف. 

عائلات أبيدت بكاملها

سلسلة مصادفات كتبت لعائلة زينب عمراً جديداً، وتركتها بلا مأوى. لكن في أماكن أخرى لم تُكتب النجاة لأحد. فبلدة الزرارية استيقظت على فاجعة أخرى. في غارة سرقت "وردات البلدة"، فقدت ثمانية من أبنائها دفعة واحدة، بينهم خمس سيدات من عائلة زرقط: إنعام ، صفاء ، صفية ، زينب ، وزهراء. أسماء تحولت في لحظات إلى قائمة طويلة من الغياب في قرية صغيرة اعتادت أن تعرف أبناءها واحداً واحداً. علماً أن ابنة البلدة ميسم رفيق بلال استشهدت قبل نحو شهر مع ابنتها الطفلة جوري في مجزرة خلّفت تسعة عشر شهيداً وعدداً من الجرحى. استهدفت الغارة مبنى سكنياً تقطنه عائلات مدنية، مخلفة دماراً واسعاً وحزناً عميقاً في البلدة. وحينها خرج الطفل حسين حيّاً من تحت الأنقاض، في مشهد تختلط فيه المأساة بالأمل: طفل ينجو من بين حجارة منزل تحوّل إلى مقبرة لعائلات كاملة.

ولم تقتصر مأساة اليوم الدامي على الجنوب. ففي حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، استشهد أفراد عائلة كاملة داخل منزلهم: الحاج حسين محمد علاّم وزوجته فاطمة وابنتهما ياسمين، المنحدرون من الهرمل، بعدما استهدفت الغارة منزلهم مباشرة. منزل صغير تحوّل بدوره إلى شاهد على عائلة لم يبقَ منها أحد.

قبل "الأربعاء الأسود" بأيام شهدت بلدة كفرحتى فاجعة مقتل عائلة بكاملها، عندما استهدفت غارة إسرائيلية منزل عائلة نحلة التي كانت قد نزحت أصلاً من كفرتبنيت. قضى القصف على الأب وزوجته وابنه وابنتيه وحفيدته، في مجزرة عائلية كاملة. ومن بين الضحايا العريف حسين علي نحلة، أحد عناصر الجيش اللبناني، الذي نعاه الجيش لاحقاً.

الناجون الوحيدون

في عربصاليم، لم يبقَ من عائلة شقيقة ياسر موسى أحد. قال ياسر إنه وقف مذهولاً أمام سيارات الإسعاف. حينها لم يجد سوى كلمات قليلة يكررها: "راحت أختي… راحت الأخت الحنونة".

الغارة قتلت شقيقته وزوجها وولديها وشقيق زوجها، لتتحول عائلة صغيرة، دفعة واحدة، إلى ذكرى. وقف موسى أمام الأجساد التي نقلت إلى سيارات الإسعاف محاولاً استيعاب كيف تحولت حياة كاملة إلى صمت ثقيل خلال دقائق.

هي عائلة صغيرة بكامل أفرادها أُبيدت في الجنوب. أجساد باردة مشوهة ملأتها الدماء بعد سنوات من الصمود في هذه الأرض. وتلتقي بوقعها المؤلم، مع مجازر أخرى لم تتوقف حتى الآن. 

المأساة نفسها كتبها علي حريري بكلمات موجعة على مواقع التواصل. نشر صورة تجمعه بعائلته وكتب: "من هذه الصورة لم يبقَ إلا أنا وابني حسين الذي يقف بجانبي، أما زوجتي زينب وولداي هادي وأحمد فقد قتلتهم إسرائيل البارحة". انكسر قلبه برحيلهم، لكنه يحاول مواساة نفسه بالإيمان والتسليم، بعدما خسر خلال أيام قليلة زوجته وطفليه، وقبلهما شقيقه وصهره. الصورة التي نشرها تحولت إلى شاهد على عائلة لم يبقَ منها سوى شخصين.

حروب تمحو العائلات

هذه الشهادات، ليست إلا عينات ضئيلة من عشرات القصص التي خلّفها اليوم الدموي في لبنان. فقد أسفر الاعتداء الإسرائيلي غير المسبوق على مختلف أنحاء البلاد، بعد ظهر الأربعاء، عن استشهاد 303 شهداء و 1150 جريحاً، في حصيلة غير نهائية أعلنت عنها وزارة الصحة. 

هكذا تبدو الحرب في قصصها الصغيرة: بيوت تُقصف، وعائلات تُمحى دفعة واحدة، ولا يبقى منها أحياناً سوى شخص واحد يروي الحكاية، أو حقيبة مدرسة، أو صورة عائلية التُقطت قبل أيام قليلة.

في كل بلدة جنوبية تقريباً هناك بيت فقد جميع من فيه، أو عائلة لم يبقَ منها إلا شاهد واحد يروي ما حدث. في هذه الحرب لا تسقط البيوت وحدها، بل تسقط معها سجلات عائلية كاملة. أسماء تختفي من سجلات القرى، وصور عائلية تتحول إلى آخر دليل على أن حياة كاملة كانت هنا يوماً، قبل أن تتحول إلى ركام.

Commentaires
NomE-mailMessage