JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

بالخرائط: نقاط المواجهة والتوغّل.. وبنت جبيل: أمّ المعارك

خط المقالة

المشهد في جنوب لبنان ليس يوم حسمٍ إسرائيليٍّ نهائيّ، بقدر ما يبدو يوم تثبيت اختراقٍ وتضييق طوقٍ، مع نقل مركز الثِّقل إلى بنت جبيل تحديدًا. فإسرائيل رفعت سقفها السياسيّ والعسكريّ هناك، وأعلنت بدء الهجوم بعد استكمال التطويق، لكنّ الوقائع المنشورة اليوم لا تظهر سيطرةً مكتملةً وثابتةً على المدينة كلّها، بل قتالًا داخل محيطها وعند عقدها الرئيسة، بالتوازي مع استمرار التثبيت شرقًا حول الخيام، والضغط الناريّ والهدم غربًا وساحلًا.

سياسيًّا، يمكن القول إنّ يوم 13 نيسان هو يوم "تفاوضٍ بالنّار". فبنت جبيل ليست مجرّد بلدةٍ حدوديّة، بل مدينة الرمز في السرديّتين معًا، عند إسرائيل بوصفها عقدةً صاروخيّةً وموقعًا متقدّمًا لـ"حزب الله"، وعند الحزب بوصفها مدينة "التحرير" وذاكرة "بيت العنكبوت". ولذلك، فإنّ معركتها، في توقيتها الحاليّ، تبدو محاولةً إسرائيليةً لتحسين ميزان الميدان عشية اللقاء المباشر المقرّر في واشنطن يوم الثلاثاء 14 نيسان، أكثر ممّا تبدو مجرّد جولةٍ حدوديّةٍ إضافيّة.

الغطاء السياسيّ للتوغّل بقي واضحًا. بنيامين نتنياهو قال، خلال اقتحامه جنوب لبنان الأحد، إنّ "الحرب مستمرّة"، وإنّها مستمرّة أيضًا داخل ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة". وقبل ذلك، كان قد أعلن أنّ التفاوض مع لبنان لا يعني وقف الهجمات على "حزب الله"، بل إنّ هدف المباحثات، من وجهة نظره، هو نزع سلاح الحزب والتقدّم نحو اتفاق سلام. بهذا المعنى، فإنّ الموقف الإسرائيليّ الرسميّ لا يفصل بين المسارين، بل يضع التفاوض تحت ضغط النار لا فوقه.

عسكريًّا، رفع الجيش الإسرائيليّ السقف أكثر. مسؤولٌ عسكريٌّ إسرائيليٌّ قال اليوم إنّ "السيطرة العملياتيّة الكاملة" على بنت جبيل قد تتحقّق خلال أيّام، وإنّ عددًا قليلًا فقط من مقاتلي "حزب الله" بقي في المنطقة، مع حديثٍ عن "قتل مسلّحين أثناء خروجهم من مستشفى في المدينة والعثور على منصّات إطلاقٍ وأسلحة". وفي المستوى الرمزيّ، أعلن قائد الفرقة 98، غاي ليفي، بعد السيطرة على ملعب بنت جبيل، أنّ مكان خطاب "بيت العنكبوت" بات تحت سيطرة قوّاته، في رسالةٍ تتجاوز الميدان إلى الحرب على الرمز نفسه. أمّا وزير الطاقة وعضو "الكابينت" إيلي كوهين، فذهب إلى التشكيك أصلًا بإمكان نجاح التفاوض مع لبنان.

بنت جبيل: "أمّ المعارك" اليوم

بنت جبيل هي أمّ المعارك لأنّها تختصر، في نقطةٍ واحدة، التاريخ والجغرافيا والتفاوض. المدينة تقع على مسافةٍ قصيرةٍ جدًّا من الخطّ الأزرق، وهي من أكثر مدن الجنوب رمزيّةً لدى "حزب الله"، ومنها أعيد تثبيت سرديّة الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000، كما أنّها كانت ساحةً شديدة الحساسيّة في حرب 2006، حين فشل الجيش الإسرائيليّ في إحكام السيطرة الكاملة عليها. لذلك، فإنّ المعركة الجارية فيها ليست تفصيلًا تكتيكيًّا، بل معركة معنى أيضًا.

في الرواية الإسرائيليّة، الصورة هي الآتية، تمّ تطويق بنت جبيل خلال الأسبوع الأخير، ثمّ بدأ الهجوم عليها من عدّة جهات، والعمليّة يقودها التشكيل 98 مع ألوية المظلّيّين والكوماندوز و"جفعاتي". وتقول إسرائيل إنّها قتلت أكثر من مئة عنصر من "حزب الله" في قتالٍ قريبٍ ومن الجوّ، وسيطرت على الملعب، وداهمت مستشفى في المدينة، وقتلت فيه أو قربه نحو عشرين مسلّحًا وصادرت أسلحة، وإنّ وتيرة نيران "حزب الله" من داخل المدينة نفسها تراجعت. هذه، حتى الآن، هي رواية الجيش الإسرائيليّ وحده، ولم تثبتها جهةٌ مستقلّةٌ بصورةٍ كاملة.

أمّا في رواية "حزب الله"، فلا اعتراف بسقوط المدينة ولا بإقفال المعركة. آخر ما أمكن تثبيته من بياناته وتغطياته أنّه قدّم بنت جبيل بوصفها ساحة اشتباكٍ مفتوحة، لا مدينةً مطويّة. ووفق ما نُقل عن بيانات الحزب، فإنّه أعلن الأحد تنفيذ ما لا يقلّ عن خمس ضربات على القوّات الإسرائيليّة داخل المدينة ومحيطها، بالصواريخ والمدفعيّة والمسيّرات الانقضاضيّة، قرب مدرسة، ومستشفى، وعقدةٍ تؤدّي إلى قلب بنت جبيل. وفي الساعات الأولى من الاثنين، أعلن أيضًا استهداف تموضعٍ قياديٍّ بين عيناتا وبنت جبيل بسربٍ من المسيّرات. أي إنّ الحزب يحاول تثبيت روايةٍ مضادّة تقول إنّ المدينة ما زالت تقاتل، وإنّ الإسرائيليّ دخلها تحت النار لا فوقها.

والأهمّ سياسيًّا أنّ هذه المعركة تتشابك مباشرةً مع المفاوضات. فالتقارير الإسرائيليّة نفسها تربط العمليّة بتقدّم اللقاء المباشر في واشنطن، فيما تصرّ تل أبيب على أنّ التفاوض لا يشمل وقفًا موازِيًا للنار. من هنا، تبدو بنت جبيل ورقة ضغطٍ مزدوجة، على الحزب في الميدان، وعلى الدولة اللبنانيّة على طاولة التفاوض، بحيث تدخل إسرائيل إلى الاجتماع وهي تحاول أن تقول إنّها لا تفاوض من موقع احتواء الخطر، بل من موقع إعادة تشكيل الجبهة. هذا استنتاجٌ مدعومٌ بالتوقيت والمواقف، لا صيغةٌ معلنةٌ رسميًّا.

خريطة التوغّل اليوم

إذا أريد اختصار خريطة التوغّل اليوم في جملةٍ واحدة، فهي قوسٌ عملياتيٌّ يمتدّ من الخيام شرقًا إلى بنت جبيل في الوسط، مع حزامِ نارٍ وتمشيطٍ وتفجيراتٍ وهدمٍ غربًا حتى القطاع الساحليّ، لكنّ مركز التحوّل الفعليّ، والسياسيّ أيضًا، هو بنت جبيل وحدها.

المحور الشرقيّ
في الشرق، تبقى الخيام عقدة التثبيت الإسرائيليّ الأكثر وضوحًا. اليوم، التقارير الميدانيّة تحدّثت عن إطلاق نارٍ رشّاش في الخيام وبالقرب من دبين، من دون معطياتٍ علنيّةٍ موثوقة عن اختراقٍ جديدٍ بحجم ما يجري في بنت جبيل. وبالتوازي، واصل "حزب الله" عرض هذا القطاع بوصفه جبهة استنزاف، مع بياناتٍ عن ضرباتٍ بالمسيّرات والصواريخ على تلّة العويضة في العديسة ومواقع وجمعاتٍ عسكريّة في محيط المطلة وميس الجبل وكفار جلعادي. معنى ذلك أنّ الشرق، اليوم، هو جبهة تثبيتٍ بالنار أكثر من كونه جبهة إعلان إنجازٍ إسرائيليٍّ جديد.
المحور الأوسط
هنا تقع المعركة الحاسمة. التقارير الميدانيّة أفادت بأنّ التقدّم نحو بنت جبيل يجري عبر أربعة إلى خمسة محاور، أبرزها من عيناتا نحو صفّ الهوا، والمدخل الشماليّ للمدينة، ومجمّع موسى عبّاس على الطريق الواصل إلى عيترون، ومن عيناتا أيضًا نحو مثلّث مارون الراس، عيناتا، بنت جبيل في حيّ "المسلخ". ومن الغرب، هناك تقدّم من عين إبل نحو العويني المشرف على ملعب بنت جبيل، ومن الجنوب تقدّم من يارون نحو حيّ "الدوّارة" الملاصق للمدينة. وعلى هذا القوس نفسه، تثبّتت في التقارير العلنيّة نقاط الوصول الإسرائيليّ إلى الملعب، ومحيط المستشفى الحكوميّ، وبعض العقد الشرقيّة ومداخل المدينة. عمليًّا، هذا يعني أنّ الجيش الإسرائيليّ لم يصل، حتى الآن علنًا، إلى "بنت جبيل كلّها"، لكنّه وصل إلى قلب رموزها ومفاتيحها التكتيكيّة..
المحور الغربيّ
في الغرب، الصورة أقلّ دراميّةً من بنت جبيل، لكنّها ليست أقلّ خطورة. التقارير الصادرة اليوم تحدّثت عن قصفٍ مدفعيّ على بنت جبيل وكونين والسلطانيّة، وعن تفجيرٍ في المنطقة الواقعة بين عيتا الشعب وحانين، فيما سُجّل تمشيط مروحيّ لساحلي البيّاضة والمنصوري مع قصفٍ لقرى في صور. هذا يظهر أنّ المحور الغربيّ لا يتحرّك، اليوم، على قاعدة اقتحامٍ حضريٍّ كبير، بل على قاعدة توسيع الحزام الناريّ والهندسيّ والضغط الساحليّ، بما يخدم فكرة "المنطقة الأمنيّة" أكثر ممّا يخدم صورة انتصارٍ مدينيٍّ سريع.
الاشتباك في يوم 13 نيسان ليس تبادل قصفٍ فقط، بل قتالٌ مركّب. إسرائيليًّا، تظهر المعركة كعملِ ألويةٍ مشتركة، مشاة، وكوماندوز، ومظلّيّون، وإسنادٌ جوّيٌّ ومدفعيٌّ وهندسيّ. في بنت جبيل تحديدًا، تحدّثت إسرائيل عن الفرقة 98 مع ألوية المظلّيّين والكوماندوز و"جفعاتي"، وعن عمليّات عزلٍ ثمّ اقتحامٍ وتمشيط. وفي الجبهة الأوسع، كانت "رويترز" قد رصدت قرب الحدود دبابات، وناقلات جنود مدرّعة، وجرافات، إلى جانب طلعات "أباتشي" والطيران النفّاث، فيما تظهر تقارير اليوم استمرار المدفعيّة، والغارات، وإطلاق النار الرشّاش، والهدم الممنهج للمباني والبلدات الحدوديّة. 
وفي المقابل، تعتمد رواية "حزب الله" على صورةِ استنزافٍ قريب، صلياتٌ صاروخيّة، ومدفعيّة، ومسيّراتٌ انقضاضيّة، إضافةً إلى الاشتباك المباشر عند الحاجة. أمّا الضربات المنسوبة إلى الحزب في بنت جبيل ومحيطها شملت صواريخ ومدفعيّة ومسيّرات متفجّرة، بينما أشارت تقارير إسرائيلية إلى أنّ الحزب استخدم، في الأيام الأخيرة داخل المدينة، أسلحةً خفيفة و"آر بي جي" ضدّ القوّات المتقدّمة. أمّا بياناته المنشورة اليوم، فتركّزت على أسراب المسيّرات والصليات الصاروخيّة ضدّ مواقع وتجمّعات عسكريّة شمال فلسطين المحتلّة وعلى الحافة الحدوديّة.
آخر التطوّرات الميدانيّة اليوم تظهر أنّ الجبهة لم تنكمش إلى بنت جبيل وحدها، رغم أنّها عنوانها السياسيّ. فمنذ ليل الأحد إلى صباح الاثنين، استمرّت الغارات على النبطيّة الفوقا وميفدون وتول وأرنون وزوطر الشرقيّة وسير الغربيّة، كما استهدفت غاراتٌ وقصفٌ مدفعيّ مجدل زون وبيوت السيّاد والبازوريّة والمنصوري والقليلة والحنيّة ورأس العين. وفي القطاع الأقرب إلى جبهة التوغّل، تعرّضت كونين والسلطانيّة للقصف، وسجّل إطلاق نارٍ في الخيام وقرب دبين، مع استمرار أعمال الهدم بين عيتا الشعب وحانين. باختصار، التوغّل البرّيّ يتحرّك تحت مظلّة ناريّةٍ جنوبيّةٍ أوسع بكثير من مدينةٍ واحدة.
الجيش الإسرائيليّ وصل، في جنوب لبنان، إلى مرحلةِ قضمٍ أكثر تقدّمًا في بنت جبيل من أيّ محورٍ آخر، مع وصولٍ معلن إلى الملعب، والمستشفى، ومفاتيح المداخل والأحياء الشرقيّة، فيما يبقى الشرق حول الخيام جبهة تثبيتٍ واستنزاف، والغرب جبهة نارٍ وهدمٍ وتمشيط. لذلك، فإنّ اليوم القتاليّ في الجنوب يمكن توصيفه بدقّة على النحو الآتي: إسرائيل تتقدّم، لكنّها لم تقفل المعركة بعد، وهي تفاوض فيما القتال ما زال مفتوحًا، وبنت جبيل هي الاسم الذي تختصر فيه النار معنى التفاوض كلّه.



Commentaires
NomE-mailMessage