جاسم عجاقة - "الديار"
مع إرتفاع مlنسوب التوتّر بين الولايات المُتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تكثر السيناريوهات العسكرية حيث يميل المراقبون إلى التركيز على الخطوط الحمراء والردع والجغرافيا السياسية، كما ودراسة خرائط مدى الصواريخ ووحدات حاملات الطائرات القتالية. لكن هذا الأمر لا يعني تجاهل ميزانيات المراكز المالية العالمية للبنوك ودفاتر شركات التأمين الدولية، التي ترسم أرقامها صورة أكثر قتامةً وتهديدًا.
لا يُكمن حصر تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط في نطاق ضيق محصور بسياق إقتصاديات الحرب. فالشرق الأوسط هو الرئة الرئيسية للطاقة في العالم، وأي صراع عسكري فيه سيؤدّي إلى نقص في الطاقة سيؤثّر على الإقتصاد العالمي. تقدير التداعيات الإقتصادية وكلفة أي صراع جديد مُحتمل في الشرق الأوسط، يُمكن إستخلاصه من كلفة حرب الإثني عشر يومًا من الحرب بين إسرائيل وإيران، والضربة الأميركية للمنشآت النووية، وإمتداد العبء المالي في بداية عام 2026.
لماذا الحروب الجديدة قصيرة وعنيفة؟
أول ما يخطر ببال المُحلّل الاقتصادي هو طول فترة الحرب. فهذه الأخيرة تستنزف الإحتياطات من العملات الأجنبية وتُدّمر البنى التحتية، والأهم أنها تؤثّر على النمو الإقتصادي العالمي. عسكريًا، يهتم المُحلّل العسكري بمعرفة متى يعود المُقاتلون إلى بلادهم؟ حرب العام 1914 هي مثال صارخ على ذهاب الجنود إلى الحرب ولم يعودوا، وهو أمر غير مقبول في العام 2026.
وبحسب العديد من الدراسات العسكرية الإستراتيجية، يُعد معدل إستهلاك الذخائر الدقيقة العامل الحاسم في الحروب الحديثة بين القوى التكنولوجية المتقدمة. وما المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلال حرب الأيام الإثني عشر (13 حزيران 2025) إلا مثال على السباق الجوي بين القوى المُتصارعة.
ووفقًا لمعظم التوقعات العسكرية، ذروة الصراع إذا ما حصل سيكون في الأيام 10 إلى 14 التي تلي بداية المواجهة. خلال هذه الفترة، ستعمد الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إستهداف مواقع إطلاق الصواريخ الرئيسية والمنشآت النووية الإيرانية. في المقابل ستقوم إيران بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية المتطورة مُستنفذة بذلك مخزوناتها. بعد هذه الذروة، وبحسب التوقّعات، سيواجه طرفا الصراع تراجعًا في الذخيرة حيث يتم تجاوز التكلفة السياسية لإستمرار النقص في توافر الأسلحة الذكية.
فاتورة عسكرية باهظة
تكلفة الدفاع باهظة بالنسبة لإسرائيل، إذ تُسجّل وزارة المالية الإسرائيلية فاتورة نقدية تُقارب 725 مليون دولار يوميًا خلال ذروة التصعيد. هذه التكلفة هي كلفة «القبة الحديدية». ففي مُقابل طائرات إنتحارية مُسيّرة تبلغ تكلفة الواحدة منها 20 ألف دولار، ترد إسرائيل بصواريخ اعتراضية تتراوح تكلفتها بين 50 ألف دولار ومليوني دولار للصاروخ الواحد. هذا الإرتفاع في الكلفة النقدية فرض إرتفاعًا في ميزانية الأمن الإسرائيلي إلى 67 مليار دولار أميركي على حساب الإنفاق على التنمية والإستثمارات. أضف إلى ذلك أن إمكانية إطلاق صواريخ على إسرائيل، يُمثل بالنسبة لها حالة تعبئة دائمة - إقتصاد مُصاب بالشلل، مع عُشر القوى العاملة في الخدمة العسكرية بدلًا من العمل في الاقتصاد.
أما الولايات المتحدة، فتعمل على مستوى مختلف. فمنذ نهاية عام 2023، أنفقت أكثر من 34 مليار دولار فيما يُسمّى «عمليات الاستقرار الإقليمي». ويشمل ذلك الإنفاق الباهظ على وجود مجموعتين من حاملات الطائرات في المنطقة، ما يُشبه مدنًا عائمة، تُكلّف ملايين الدولارات يوميًا للحفاظ عليها، بالإضافة إلى تطبيق نظام الدفاع الصاروخي الطرفي عالي الارتفاع (نظام ثاد).
لا ترتبط نفقات إيران بالسيولة النقدية، بل بإستنزاف الأصول. وتشير التقديرات إلى أن إيران فقدت نصف صواريخها المتطورة في تبادل إطلاق النار عام 2025. واستبدال هذه التكنولوجيا، الذي يندرج ضمن عقوبات عام 2026، غير مجدٍ اقتصاديًا. لذا، تحوّل نهج إيران إلى حرب إقتصادية باستخدام تكنولوجيا غير مُتطوّرة، تجبر الغرب على إنفاق مبالغ طائلة للرد.
أزمة الطاقة.. 150 دولارًا للبرميل؟
يُعتبر مضيق هرمز من أكثر الممرات المائية العالمية المُهمّة إستراتيجيًا، فعبره يمر 21% من الطاقة السائلة العالمية. وإذا ما قامت إيران بزرع الألغام في هذه المياه في ظل مواجهة شاملة، فسيتعرض سوق التأمين الدولي لأزمة حادة. بالإضافة إلى إرتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تُقارب الـ 150 دولارًا في ظل أسبوع واحد! هذا الأمر سيؤدّي إلى كارثة إقتصادية عالمية حيث سترتفع أسعار كل السلع والبضائع والخدمات إلى مستويات سيضرب فيها التضخّم النمو الإقتصادي العالمي.
ضربة التريليون دولار
تُشير التقديرات أنه في حال كان هناك حرب طويلة بين الطرفين، سيتكبّد الاقتصاد العالمي تريليون دولار سنويًا.

