JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

تنكة البنزين تغيّر عادات اللبنانيين

خط المقالة

الأخبار: شيئاً فشيئاً، بدأ اللبنانيون يعيدون حساب المسافات. فصفيحة البنزين التي وصل سعرها إلى 30 دولاراً، باتت تعادل نحو 10% من الحد الأدنى للأجور البالغ 312 دولاراً.

رضا صوايا-

شيئاً فشيئاً، بدأ اللبنانيون يعيدون حساب المسافات. فصفيحة البنزين التي وصل سعرها إلى 30 دولاراً، باتت تعادل نحو 10% من الحد الأدنى للأجور البالغ 312 دولاراً. واقع يفرض على كثيرين التفكير ملياً قبل الخروج من المنزل، والتساؤل عمّا إذا كان الأمر يستحق تشغيل السيارة أصلاً.

في بلد يعتمد فيه معظم الناس على سياراتهم، في ظل غياب نقل عام فعّال، باتت كلفة الطريق تدخل مُسبقاً في حساب أي نشاط. وبالنسبة إلى أصحاب المداخيل المحدودة، تستنزف كلفة النقل جزءاً كبيراً من الراتب قبل الوصول إلى باقي المصاريف: اشتراك المولّد، وإيجار المنزل، الطعام وسائر نفقات الحياة.

وبمرور الوقت، بدأت هذه المعادلة تنتج نمطاً اجتماعياً جديداً، يعيد فيه اللبنانيون تنظيم حياتهم بما يقلّل عدد الكيلومترات التي يقطعونها، ويجعل المسافة عاملاً حاسماً في اختيار العمل، واللقاء، والنزهة، وحتى العلاقات الاجتماعية.

ويشرح الباحث في مجال النقل علي الزين أن «النقل بات يسيطر بشكل كبير على ميزانية الأسر. قبل الأزمة، كان معدّل استهلاك الفرد في لبنان بين 10 و12 تنكة بنزين، وإذا قسناها على الأسعار الحالية، فإن كلفة النقل باتت تستهلك 100% من الميزانية». ويرى الزين أن هذا الواقع «يضع العديد من الأسر والأفراد أمام خيارات صعبة، ويجبرهم على المفاضلة بين الأولويات الحياتية». أمّا المشكلة الأعمق، فهي أن أزمة النقل ليست جديدة، بل تتفاقم منذ عقود، «وفي كل مرة يُترك الناس ليتدبروا أمورهم عبر حلول فردية، من دون أي حل وطني وجماعي. واستدامة المشكلة أفقدت الناس الأمل وجعلت من الصعب عليهم الخروج من هذه الدوامة مع الاتكال دائماً على السيارة رغم تزايد أعبائها».

السيارة... بالشراكة

وعلى غرار بعض العادات التي انتشرت خلال فترة كورونا، بدأت تتزايد حالات الموظفين الذين يعملون في المؤسسة نفسها ويسكنون ضمن نطاق جغرافي واحد، فينظّمون تنقلاتهم معاً.

سيارة واحدة بدلاً من ثلاث أو أربع، ومداورة بين أصحاب السيارات، أو تقاسم مباشر لكلفة البنزين. معادلة بسيطة فرضها الغلاء أكثر مما فرضها الوعي البيئي أو الرغبة في تغيير العادات.

غلاء البنزين يعيد العمل «أونلاين» إلى الواجهة ويشجّع الموظفين على تشارك السيارات لتقليص كلفة التنقل اليومية

وبالتوازي، عاد العمل من المنزل «أونلاين» إلى النقاش. فبالنسبة إلى موظف يقطع مسافة طويلة يومياً، قد يعني العمل عن بعد يومين في الأسبوع توفير ثمانية أو تسعة أيام من التنقل شهرياً. وحتى العاطلون عن العمل باتوا يفضّلون البحث عن وظائف «أونلاين». يقول طوني، وهو عاطل عن العمل منذ سنة ويحمل إجازة في التسويق: «كل ما يُعرض من وظائف تتطلب حضوراً إلى المكتب عبثي ويجعل الأمر مجرد مجهود من دون أي فائدة، عند مقارنة الراتب المعروض بكلفة النقل».

ويلفت الزين في هذا السياق إلى أن «ضغط النقل يخلق ظلماً لكثيرين ممن يضطرون إلى قبول وظائف أقل من مقدّراتهم ومؤهلاتهم، فقط لأنها أونلاين أو أقرب إلى مكان سكنهم لتوفير كلفة البنزين».

عطلة نهاية الأسبوع... بالباص

ولا يتوقف أثر كلفة النقل عند الوظيفة. فالترفيه أيضا يتأثّر بارتفاع أسعار المحروقات. ولطالما شكّلت الرحلات الجماعية التي تنظّمها مكاتب وشركات سياحية بواسطة الباصات و«البولمانات» متنفّساً لكثير من الأفراد والأسر، يتيح لهم التجوّل في لبنان بكلفة مقبولة. لكن حتى هذا المتنفّس بات يضيق.

ويقول زياد خيرالله، صاحب شركة Vladimir Travel، إن «ارتفاع أسعار المحروقات أثّر علينا وعلى القطاع ككل بشكل كبير، ما يطرح تساؤلات جدية حول القدرة على الاستمرار». ويشرح أن شركته «لا تزال تسعّر على أساس العام الماضي، ونتقاضى 40 دولاراً على الشخص للجولة، بما يتضمن النقل والترفيه والمطعم والدليل السياحي، فيما زادت التكاليف مرة ونصف مرة عن العام الماضي. وفي الوقت نفسه تصعب علينا زيادة الأسعار، لأن الناس لا قدرة لهم على تحملها. لكن إذا أردنا التسعير بعدل، فلا يمكن أن يقل السعر عن 50 أو 55 دولاراً». ويضيف: «كنت بـ20 راكباً أنظّم رحلة، وحتى لو لم أحقق أي ربح. اليوم، ومع 30 شخصاً، لا أغطّي تكاليف النقل».

ولا تعكس حركة الزوار في بعض البلدات دائماً حجم الإنفاق الفعلي. فقد تستقبل بلدة مئات الزوار في يوم واحد، وتمتلئ ساحاتها وشوارعها، فيما لا تستفيد مؤسساتها التجارية بالقدر الذي توحي به هذه الزحمة. وبحسب عدد من أصحاب المؤسسات السياحية في بعض القرى والبلدات الأكثر استقطاباً للزوار، فإن «العديد من المشاركين في الرحلات الجماعية يكونون قد دفعوا مُسبقاً ثمن النقل والطعام ضمن البرنامج. وعند وصولهم إلى البلدة، يصبح إنفاقهم الفردي محدوداً: بوظة، زجاجة مياه، قهوة أو بعض المشتريات الصغيرة. بالتالي، الناس موجودون، لكنّ الإنفاق غائب».

الحب وكلفة الطريق

حتى العلاقات العاطفية لم تبقَ خارج معادلة البنزين. فاللقاء الذي كان قراراً عفوياً أصبح يحتاج إلى حساب مُسبق. رامي، الذي يسكن بعيداً عن صديقته، يقول: «قبل أن نأكل أو نشرب، هناك كلفة الطريق»، مشيراً إلى أن «أبسط مشوار تصل كلفته مع البنزين والطعام وبعض المصاريف العادية إلى 70 دولاراً على الأقل. لذلك أصبحت المشاوير أقل، وغالباً ما تكون جلساتنا بسيطة».

كذلك أعاد كثيرون اكتشاف «الجَمعات» المنزلية بوصفها الخيار الأقل كلفة. فاللقاء في منزل أحد الأصدقاء أصبح بديلاً عن المطعم أو السهرة التي تتطلّب من كل شخص دفع كلفة التنقّل والطعام والمشروبات. ويختصر رامي هذا التحوّل بالقول: «صرنا نحسب كلفة الطريق قبل أن نحسب كلفة القعدة. البنزين غيّر طريقة عيشنا؛ صرنا نلتقي أقل، ونختار الأماكن الأقرب، ونجمع بعضنا في البيت. حتى المشوار العادي صار بدو حساب».


تعليقات
الاسمبريد إلكترونيرسالة