JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

علي الطاهر… تلة العقدة والتسوية

خط المقالة

غادة حلاوي - المدن

لم تعد تلة علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان، بل تحولت، مع الحرب الأخيرة، إلى إحدى أكثر النقاط حضوراً في النقاشات العسكرية والسياسية. ففي القراءة الإسرائيلية، تُعدّ إحدى العقد التي ينبغي معالجتها ضمن أي ترتيبات أمنية شمال نهر الليطاني، فيما ينظر إليها حزب الله بوصفها عنوانًا يتجاوز أهميتها العسكرية المباشرة، ليطال مستقبل قواعد الاشتباك وحدود تطبيق القرار 1701 ومبدأ حصرية السلاح. وبين هاتين المقاربتين، برز اسم التلة في التداول السياسي اللبناني، مع الحديث عن احتمال تسليمها إلى الجيش اللبناني، وما يحمله ذلك من أبعاد تتجاوز السيطرة على موقع جغرافي إلى رسم معالم المرحلة التي ستلي الحرب.

تستمد تلة علي الطاهر أهميتها من موقعها الجغرافي الفاصل بين جنوب نهر الليطاني وشماله، وعلى تخوم منطقتي الريحان وجزين، إلا أن قيمتها الرمزية بالنسبة إلى حزب الله تبدو، وفق مقاربته، أكثر أهمية من بعدها العسكري المباشر.

وقد عاد اسم التلة إلى الواجهة في السردية الإسرائيلية بعد حرب الإسناد والحرب التي استمرت 66 يوماً، إذ أصبحت تُقدَّم باعتبارها إحدى العقد العسكرية التي ينبغي معالجتها في إطار أي ترتيبات أمنية شمال الليطاني.

ويصف الباحث كامل جابر تلة علي الطاهر بأنها مزرعة ترتفع نحو ستمئة متر فوق سطح البحر، تقوم على تل يلامس بلدة كفرتبنيت ويشرف عليها من جهتها الشمالية، كما يشرف على النبطية الفوقا من الناحية الشمالية الشرقية، وعلى مدينة النبطية من جهتها الشرقية، بحيث تتكشف للناظر منه أحياء واسعة من المدينة.

وتُعدّ مزرعة علي الطاهر من المواقع القديمة، وتحمل اسم الولي الذي شُيّد له مقام فوق التلة، ويُعرف بـ«مقام الولي علي الطاهر». وإلى جانب قيمته الدينية التي يحتفظ بها منذ أكثر من ثلاثة قرون، يتمتع الجبل بأهمية استراتيجية جعلته يُقارن، من الناحيتين العسكرية والجغرافية، بقلعة الشقيف الواقعة إلى شماله الغربي، التي تبعد عنه ما بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، فيما يزيد ارتفاعها عليه بأكثر من مئة متر. ويشرف الجبل على مساحات واسعة من أقضية النبطية ومرجعيون وحاصبيا، إضافة إلى أجزاء من قضاء صيدا.

وعقب الانسحاب الإسرائيلي من جبل علي الطاهر ومعبر كفرتبنيت والمواقع المجاورة، وكذلك من قلعة الشقيف في أيار/ مايو 2000، فوجئ زوار المقام بحجم الدمار الذي ألحقته قوات الاحتلال بالموقع. فقد غُيّرت معالمه، وهُدمت قبته، ونُهبت مقتنياته، وأُقيمت فوق سطحه دشمة عسكرية محصنة ضمّت مربض مدفع استخدمته القوات الإسرائيلية لقصف مدينة النبطية ومحيطها.

ووفق مصادر مطلعة، فإن المنشأة الموجودة في التلة باتت اليوم محاصرة بالنيران والاستطلاع من مختلف الجهات، وهذا ما يجعل الوصول إليها براً شديد الصعوبة، فيما تقتصر إمكانية الإمداد على وسائل محدودة، من بينها الطائرات المسيّرة الصغيرة، التي يصعب على إسرائيل اعتراضها بصورة كاملة.

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل استهدفت الموقع مراراً بمختلف أنواع الأسلحة، بما فيها الذخائر شديدة التدمير والقذائف الفوسفورية، إلا أن حزب الله كان يعيد ترميم المنشأة خلال أيام، وأحيانًا خلال ساعات، وهو ما جعل الموقع يستعيد جاهزيته بعد كل استهداف، رغم حجم الدمار الذي أظهرته تسجيلات بثها الجيش الإسرائيلي نفسه.

وتؤكد مصادر عسكرية أن إسرائيل، على الرغم من كثافة الغارات التي نفذتها على التلة، لم تتمكن من الدخول المباشر إليها، بل اكتفت بفرض حصار جوي عليها بوساطة الطائرات المسيّرة، إلى جانب القصف المدفعي والغارات الجوية، في إطار محاولات استنزاف متواصلة تمهيداً لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية تتجاوز السيطرة على الموقع نفسه.

وفي المقابل، تؤكد مصادر قريبة من حزب الله وجود حضور عسكري للحزب في المنطقة، لكنها تنفي الرواية الإسرائيلية بشأن طبيعة المنشآت الموجودة داخل التلة، مشيرة إلى أن أحداً لا يستطيع الجزم بما تحتويه. وتضيف أنه لو كانت إسرائيل تمتلك معلومات دقيقة حول ما تدعي وجوده، لكانت أقدمت على السيطرة المباشرة على الموقع، بدل الاكتفاء بقصفه ومحاولة دفع الجيش اللبناني إلى دخوله.

وتشير المصادر نفسها إلى أن إسرائيل لا تزال تسيطر بالنار والاستطلاع على محيط التلة، فيما تتمركز بعض آلياتها العسكرية في نقاط قريبة، من دون أن تكون قد فرضت احتلالًا بريًا مباشرًا للموقع.

وفي موازاة البعد العسكري، برز اسم علي الطاهر في النقاش السياسي الداخلي. مع كل لقاء كان يجمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، عن احتمال تسليم منطقة علي الطاهر – المحمودية إلى الجيش اللبناني، باعتبار ذلك خطوة يمكن أن تُسقط الذريعة الإسرائيلية المتعلقة بحصرية السلاح.

غير أن حزب الله ينظر إلى هذا الطرح من زاوية مختلفة، إذ يعتبر أن تسليم الموقع لا يعني مجرد انتقال السيطرة على بقعة جغرافية، بل يشكل، عملياً، بداية تنفيذ مبدأ حصرية السلاح شمال الليطاني، وهو ما يراه استجابة لمطلب أميركي – إسرائيلي تسعى تل أبيب إلى فرضه عبر الضغوط العسكرية والسياسية على لبنان.

ووفق أوساط قريبة من الحزب، فإن أي تسليم لتلة علي الطاهر سيشكل سابقة تفتح الباب أمام مطالب إسرائيلية جديدة تمتد إلى مناطق أخرى شمال الليطاني، وصولًا إلى الريحان وعرمتا وكفرحونة، وربما باتجاه البقاع الغربي، وهو سيناريو ترى فيه تمهيدًا لتوسيع نطاق المواجهة بدل احتوائها.

ولهذا السبب، يرفض حزب الله بصورة قاطعة تسليم الموقع، ويعتبره خطًا أحمر، مؤكدًا أن أي محاولة إسرائيلية لاقتحامه أو فرض وقائع جديدة فيه ستُقابل برد عسكري يستهدف شمال إسرائيل، انطلاقًا من معادلة يعتبر أنها لا تزال قائمة.

ويؤكد حزب الله أن وجوده في علي الطاهر لا يختلف، من حيث المبدأ، عن وجوده في أي منطقة لبنانية يعتبرها مهددة بالاحتلال، وأن الدفاع عنها يندرج في إطار الدفاع عن الأرض اللبنانية، لا في إطار التمسك بموقع بعينه. ومن هذا المنطلق، يقلل الحزب من الأهمية العسكرية التي تضفيها إسرائيل على التلة، معتبرًا أنها تمنحها بعدًا دعائيًا لتصوير أي استهداف لها باعتباره إنجازًا ميدانيًا، أكثر مما يعكس حقيقة تأثيرها في موازين القوى.

ويؤكد الحزب أن الدفاع عن التلة يأتي في سياق الدفاع عن أي منطقة لبنانية مهددة بالاحتلال، كما حصل في بنت جبيل وحداثا وغيرها، وأنه، ما دامت هناك قدرة على منع إسرائيل من السيطرة عليها، فسيواصل الدفاع عنها. أما إذا تمكنت إسرائيل من احتلالها، فإن ذلك سيحوّلها، بحسب تقديره، إلى نقطة استنزاف لقواتها، بدلاً من أن يشكل مكسبًا استراتيجيًا لها.

وعلى الرغم من أن الحزب لا يعتبر تلة علي الطاهر الموقع العسكري الأهم في معادلاته الدفاعية، فإنه لا يعدها موقعًا ثانويًا أيضًا، بل يضعها ضمن منظومة المواقع التي تحمل أبعاداً رمزية وعسكرية وسياسية في آن واحد.

كما يرفض الحزب دخول الجيش اللبناني إلى التلة في الظروف الحالية، انطلاقًا من اعتقاده بأن ذلك يكرّس عمليًا مبدأ حصرية السلاح شمال الليطاني خارج إطار القرار 1701، ويمنح إسرائيل حق فرض شروطها الأمنية على مناطق لا تزال، من وجهة نظره، خارج نطاق تطبيق القرار الدولي.

وفي هذا السياق، يميز الحزب بين المناطق التي ينسحب منها الاحتلال، حيث لا يعارض انتشار الجيش اللبناني فيها، كما حصل في عدد من البلدات الجنوبية، وبين المناطق التي لم تدخلها القوات الإسرائيلية أصلًا، التي يعتبر أن إدخال الجيش إليها بهدف مصادرة السلاح أو تنفيذ مطالب إسرائيلية يمثل سابقة لا يمكن القبول بها.

وتذهب هذه القراءة إلى أن إسرائيل تسعى إلى وضع الجيش اللبناني أمام معادلة صعبة، عبر مطالبته بدخول التلة تحت رقابتها، بما قد يؤدي إلى احتكاك مباشر مع حزب الله، وهو أمر تؤكد المصادر أنه لا يدخل ضمن حسابات قيادة الجيش، التي ترفض العمل تحت إشراف إسرائيلي أو تنفيذ إجراءات تمليها تل أبيب.

ومن وجهة نظر الحزب، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بموقع علي الطاهر وحده، بل بالمسار الذي يمكن أن تؤسس له أي خطوة من هذا النوع. فالموافقة على تسليم التلة، وفق هذه المقاربة، لن تُقرأ باعتبارها إجراءً ميدانيًا محدودًا، بل باعتبارها بداية مسار قد يتوسع تدريجيًا ليشمل مواقع أخرى شمال الليطاني، تحت عنوان تطبيق ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز ما نص عليه القرار 1701.

وتعتبر المصادر أن إسرائيل تحاول تحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي، من خلال ربط وقف عملياتها أو تخفيفها بإجراءات ميدانية يقوم بها الجيش اللبناني، بما يسمح لها بفرض وقائع أمنية جديدة من دون الاضطرار إلى احتلال الأرض بصورة مباشرة. وفي المقابل، يرى الحزب أن قبول هذا المنطق من شأنه أن يمنح إسرائيل حق تحديد طبيعة الانتشار العسكري اللبناني داخل الأراضي اللبنانية، وهو أمر يرفضه بصورة قاطعة.

وفي موازاة ذلك، تشير المصادر إلى أن إسرائيل، على الرغم من تفوقها الجوي وكثافة غاراتها، لم تتمكن من فرض سيطرة برية على التلة، بل بقيت تعتمد على الاستهداف عن بُعد، بوساطة الطائرات المسيّرة والمدفعية والطيران الحربي، الأمر الذي يعكس، وفق هذه القراءة، صعوبة تحويل الضغط العسكري إلى سيطرة ميدانية دائمة.

وفي المقابل، يصر حزب الله على أن بقاء التلة خارج السيطرة الإسرائيلية، سواء بقي فيها أم لم يبق، يحول دون تمكين إسرائيل من تحويلها إلى قاعدة متقدمة تفرض من خلالها وقائع أمنية جديدة في محيط النبطية وإقليم التفاح، وهو ما يفسر تمسكه بمنع أي تغيير في وضعها الحالي.

وتبقى تلة علي الطاهر، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد مرتفع يشرف على مدينة النبطية ومحيطها. فهي، بالنسبة إلى إسرائيل، عقدة أمنية تسعى إلى تفكيكها ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، وبالنسبة إلى حزب الله، رمز لرفض تكريس معادلات جديدة تُفرض بالقوة العسكرية أو بالضغوط السياسية، فيما تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدي الموازنة بين تثبيت سيادتها عبر الجيش اللبناني، والحؤول دون أن يتحول انتشاره إلى جزء من معادلات يفرضها الاحتلال.

ولذلك، تبدو أهمية علي الطاهر اليوم أبعد من حدودها الجغرافية. فالمعركة حولها لم تعد معركة على تلة أو منشأة، بل أصبحت اختباراً لمستقبل قواعد الاشتباك، وحدود تطبيق الترتيبات الأمنية شمال نهر الليطاني، وللقدرة على الفصل بين ما يقرره اللبنانيون في إطار سيادتهم الوطنية، وما تسعى إسرائيل إلى فرضه بالقوة العسكرية والضغوط السياسية. وفي هذا المعنى، قد لا تكون علي الطاهر أهم موقع عسكري في جنوب لبنان، لكنها باتت، بلا شك، أحد أكثر المواقع دلالة على طبيعة الصراع الذي يدور حول شكل المرحلة المقبلة، أكثر مما يدور حول التلة نفسها.



Kommentare
NameE-MailNachricht