مصطفى علّوش - المدن
لا شك أن إعلان مصرفي لبناني متمكن ومتداخل مع أروقة المجتمع والسياسة والإعلام والمال في لبنان صهيونيته، مسألة تفتح الجدل، في وقت تسعى الدولة في لبنان إلى مسار حساس بين ألغام من يريدون "شرب كأس بيرة في تل أبيب"، ومن يريدون الصلاة في القدس وإزالة دولة إسرائيل. لكن مسار الدولة اليوم واضح لمن يريد الفهم، وهو وقف مسلسل الموت والدمار من خلال التأني في المفاوضات قبل البحث في عملية السلام مع إسرائيل. وقد كان موقف رئيس الجمهورية واضحاً في رفضه مبدأ لقاء نتنياهو أو أي مسؤول رسمي إسرائيلي غيره في بداية الطريق. لكن المثير للجدل اليوم هو ما ستفعله الحكومة والدولة في ظل احتمال تفشي مرض الصحناوية بعد العشاء الذي جمع الصحناوي بنتانياهو برعاية أورتاغوس. لن أعلق على شعور رئيس وزراء إسرائيل بهذا الخصوص، فقد يكون الاحتقار أو الإعجاب أو الافتخار بالذات، فلست هنا في مجال لا علم النفس ولا الفراسة ولا التبصير، لكن الكلام المباح والمفيد هو في التالي.
في السياسة، لا تكفي الشعارات وحدها لتحديد المواقف، ولا تكفي القناعات الشخصية لإعفاء أصحابها من الخضوع للقانون. فكل دولة ترسم حدودًا لما تعتبره مشروعًا أو محظورًا وفقًا لظروفها التاريخية والأمنية، ويصبح احترام هذه الحدود جزءًا من مفهوم السيادة نفسه. ومن هنا يطرح الجدل الذي أثارته بعض المواقف المنسوبة إلى شخصيات لبنانية سؤالًا يتجاوز الأشخاص إلى قضية أكثر عمقًا: كيف يتعامل لبنان مع من يتبنون خطابًا مؤيدًا لإسرائيل أو للصهيونية في ظل وجود قوانين تجرّم أشكالًا معينة من التواصل مع العدو؟ هذا السؤال لا يتعلق بحرية الرأي وحدها، بل يتقاطع مع طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، ومع الخصوصية القانونية اللبنانية التي ما زالت تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وتفرض قيودًا قانونية على أشكال محددة من التعامل معها. ولذلك فإن أي نقاش جاد يجب أن ينطلق من القانون لا من الانفعال، ومن المؤسسات لا من حملات التخوين أو التمجيد.
لكن قبل ذلك لا بد من إزالة خلط شائع. فكثيرون يتعاملون مع الصهيونية باعتبارها فكرة واحدة متجانسة، بينما هي في الواقع تيارات متعددة ومتباينة. فهناك صهيونية قومية، وصهيونية دينية، وصهيونية ليبرالية، وصهيونية علمانية، ولكل منها تصورات مختلفة بشأن الدولة والحدود والدين والسلام. بل إن داخل المجتمع اليهودي نفسه توجد أصوات تنتقد الصهيونية أو تعارض بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية، كما توجد جماعات دينية يهودية ترفض أصلًا قيام دولة إسرائيل قبل مجيء الماشيح وفق معتقدها الديني. وفي المقابل، برزت خلال العقود الماضية ظاهرة الصهيونية المسيحية، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث تنطلق بعض الكنائس الإنجيلية من قراءة لاهوتية تعتبر أن عودة اليهود إلى فلسطين تمثل خطوة في مسار النبوءات المتعلقة بعودة المسيح. والمفارقة أن هذه الرؤية، رغم دعمها السياسي القوي لإسرائيل، لا تنطلق من العقيدة اليهودية نفسها، بل من تفسير مسيحي للتاريخ الديني. ولهذا نجد أن عددًا من المفكرين اليهود ينظرون إليها بتحفظ، لأنها ترى في المشروع الصهيوني مرحلة ضمن سردية دينية تنتهي بتحقق عقائد لا يؤمن بها اليهود أصلًا. وهكذا يصبح التحالف السياسي قائمًا، بينما يبقى الاختلاف العقائدي قائمًا أيضًا..
هذه المفارقة تكشف أن السياسة لا تبنى دائمًا على التطابق الفكري، بل كثيرًا ما تقوم على تقاطع المصالح. ولذلك فإن الاحتفاء غير النقدي بأي خطاب مؤيد لإسرائيل، أو الاعتقاد بأن مجرد إعلان الإعجاب بالصهيونية يمنح صاحبه مكانة خاصة لدى الإسرائيليين، قد يكون تصورًا مبالغًا فيه. فالدول تقيس مواقف الآخرين بميزان المصالح لا بميزان العواطف، وتتعامل مع الحلفاء وفق ما يحقق أهدافها الاستراتيجية قبل أي اعتبار آخر. أما في لبنان، فإن القضية تأخذ بعدًا مختلفًا تمامًا. فالموضوع ليس مجرد نقاش فكري حول الصهيونية، وإنما يتعلق بوجود منظومة قانونية تنظم العلاقة مع دولة ما زالت، في نظر الدولة اللبنانية، دولة عدوة. لذلك فإن أي ادعاء بوجود مخالفة لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة إعلامية، بل يجب أن يخضع للتحقيق والإجراءات القضائية التي تحدد ما إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى أي شخص تشكل مخالفة للقانون أم لا..
إن دولة القانون لا تُدار بالشائعات، ولا بالمواقف السياسية، وإنما بالأدلة والنصوص القانونية. فإذا ثبت أمام القضاء وقوع مخالفة، فإن تطبيق القانون يصبح واجبًا على الجميع من دون تمييز. أما إذا لم تثبت المخالفة، فلا يجوز استبدال القضاء بمحاكم الرأي العام. فالمساواة أمام القانون هي الضمانة الأساسية لأي نظام ديمقراطي يحترم نفسه. غير أن المسألة لا تقف عند حدود القضاء، بل تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بالهوية الوطنية. فهل يمكن أن تظهر في لبنان تيارات تعلن صراحة تبنيها للمشروع الصهيوني؟ من الناحية الفكرية، لا يمكن منع الأفكار من الوجود، إذ إن المجتمعات المفتوحة تعرف دائمًا تنوعًا في الآراء والمواقف. لكن عندما تتعارض بعض الممارسات مع قوانين نافذة، ينتقل الأمر من ساحة الجدل الفكري إلى ساحة المسؤولية القانونية. وهنا يبرز تحدٍ آخر يتمثل في البيئة الدولية. فالولايات المتحدة، بوصفها الحليف الأكبر لإسرائيل، تراقب بطبيعة الحال كل ما يتعلق بالعلاقة اللبنانية الإسرائيلية، وقد تعبر عن مواقف سياسية أو تمارس ضغوطًا دبلوماسية في ملفات معينة. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يغير المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه سيادة الدول، وهو أن تطبيق القانون يجب أن يصدر عن المؤسسات الوطنية المختصة، لا عن رغبات الخارج أو ضغوطه، أياً كان مصدرها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو ازدواجية المعايير. فإذا كان القانون يطبق على مواطن ويستثنى منه آخر بسبب النفوذ السياسي أو المالي أو الحماية الخارجية، فإن المشكلة لا تعود في النصوص، بل في هيبة الدولة نفسها. فالعدالة لا تكتمل بوجود قوانين جيدة، وإنما تتحقق عندما يشعر جميع المواطنين بأن القانون يطبق عليهم بالقدر نفسه. ومن ناحية أخرى، فإن تحويل كل خلاف سياسي إلى تهمة جاهزة لا يقل خطورة عن تجاهل المخالفات إن وجدت. فالمجتمعات التي تخلط باستمرار بين الرأي والجريمة تفقد قدرتها على إدارة الاختلاف، بينما المجتمعات التي تتساهل مع انتهاك قوانينها تفقد قدرتها على حماية سيادتها. والتوازن بين هذين الأمرين هو الامتحان الحقيقي للدولة الحديثة. .
في النهاية، ليست القضية شخصًا بعينه، ولا سجالًا إعلاميًا عابرًا، وإنما سؤال يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها: هل تستطيع مؤسساتها أن تكون المرجع الوحيد في الفصل بين المشروع وغير المشروع؟ وهل يبقى القانون فوق الجميع مهما كانت أسماؤهم أو مواقعهم أو علاقاتهم؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد صورة لبنان في السنوات المقبلة. فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع أكثر الشعارات حدة، ولا تلك التي تستجيب لأقوى الضغوط الخارجية، بل الدولة التي تجعل القانون المرجعية النهائية للجميع. وعندما يصبح القضاء هو الحكم، والمؤسسات هي الفيصل، والسيادة هي الإطار الذي يلتزم به الجميع، عندها فقط يمكن للبنان أن يواجه تحدياته الداخلية والخارجية بثقة، وأن يبرهن أن قوة الدول لا تقاس بحدة الخطاب، بل بعدالة القانون واستقلال مؤسساته..
