فصول كثيرة من مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية سيتكفل الزمن بكشفها وتوضيح انعكاساتها. يبقى الأساس في مسار التفاوض الذي سيستمر على مدى ستين يوماً، للوصول الى اتفاق حول الملف النووي. لكن في قراءة أولية لما جرى، فإن ترامب لم يربح سوى فتح مضيق هرمز، علماً أن شروطه قبل الحرب وخلالها كانت تصل الى حد إسقاط النظام الإيراني، سحب اليورانيوم العالي التخصيب، وقف تخصيب اليورانيوم داخل ايران، وتخلي طهران عن مشروع تطوير الصواريخ البالستية. هذه كلها لم يتم الاتفاق بشأنها. ذلكَ يشكل أزمة كبيرة بالنسبة الى إسرائيل التي خسرت معركة فرض معادلتها على المنطقة وتوازناتها. أما إيران فقد حافظت على النظام وأعادت ربط الملف اللبناني بها بخلاف المساعي الأميركية الإسرائيلية لفصل الملفين بعضهما عن بعض.
الداخل الإيراني
الحرب، حجم الضغوط، والشروط التي وضعها الأميركيون والإسرائيليون لا تتناسب أبداً مع الاتفاق الهش الذي أعلنه ترامب، خصوصاً أنه لا يزيل أي سبب من مسببات الحرب. فإيران خاضتها كأنها حرب وجودية، وكذلك إسرائيل. لذلك فإن الوقائع يمكنها أن تنفجر في أي لحظة في حال عدم الوصول الى اتفاق فعلي. ربما هنا يكون الرهان الأميركي الإسرائيلي المشترك على الداخل الايراني وافتعال الأزمات والدخول في حال فوضى بنتيجة الاوضاع السياسية والاقتصادية، لكن ذلك سيكون بحاجة الى وقت طويل، ستسعى طهران للاستفادة منه لإعادة ترميم وضعها الداخلي ومشروعها على مستوى المنطقة.
حسابات نتنياهو
أما نتنياهو فلديه حسابات معقدة جداً. فهو أحد الخاسرين من هذا الاتفاق، لذا ليس من مصلحته وقف الحرب نهائياً، خصوصاً على أبواب انتخاباته، وهو يصر على مواصلة العمليات العسكرية ما دامَ قد أجبر على وقف النار مع إيران، لكن ذلك غير متاح له ما دام لبنان مشمولاً بالاتفاق. أما في حال لجأ إلى التصعيد فلا بد من مراقبة ردة فعل ترامب شخصياً. فقد يلجأ نتنياهو إلى مسار تصعيد تدريجي بعد التوقيع على الاتفاق، كما أنه سيربط مسألة الانسحاب من الجنوب بتفكيك سلاح حزب الله وهو ما سيرفضه الحزب.
مأزق لبنان
لبنان لن يكون في وضع جيد إذا واصل نتنياهو الحرب. أما في حال نجحت إيران بتثبيت وقف النار، فهي ستكون قد ربطت الملف اللبناني بها كلياً، وسيعتبر حزب الله أنه هو الذي حقق الإنجاز، وهذا ما سيدفعه الى تكثيف الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها الى الانسحاب من مسار المفاوضات، وسيعتبر أن كل خيارات الدولة لم تؤد الى أي نتيجة، وهو سيفرض الكثير من التحديات على المستوى الداخلي وقد يضعف موقف الدولة. بينما التوجه الرسمي هو لاستمرار المفاوضات على قاعدة الوصول الى اتفاق برعاية واشنطن لتأمين تثبيت وقف النار والانسحاب الاسرائيلي الذي سيكون مربوطاً بتفكيك سلاح حزب الله الأمر الذي يرفضه الحزب، مستنداً الى الوقائع والظروف والمتغيرات، إذ يعتبر نفسه قادراً على التكيف معها، استناداً الى الاتفاق الإيراني الأميركي، وما يعتبره قدرة إيران على فرض نفسها في المعادلة، إضافة إلى رهانه على صموده، وفتح مسار مختلف عن مسار التفاوض الذي سلكته الدولة، وهو ما دفع ترامب مجدداً الى الحديث عن النقاش مع حزب الله.
تصوّر مكتوب
في هذا السياق، سيكون لبنان بحاجة الى مظلتين، الأولى داخلية على صعيد توحيد المواقف والخروج برؤية موحدة تحصن الموقف اللبناني، والثانية مظلة اقليمية أساسها عربي هدفها العمل على حماية لبنان الكيان، ومعالجة ملف السلاح وتأمين الانسحاب الاسرائيلي وإعادة الإعمار وعودة الأهالي الى أراضيهم. وهنا تتحدث المعلومات عن مساعٍ باكستانية، سعودية، قطرية، إيرانية، مصرية، لتقديم تصوّر مكتوب بالتنسيق مع اللبنانيين والأميركيين حول كيفية التعامل مع ملف السلاح، وهنا تحضر مجدداً المبادرة المصرية، عن احتواء السلاح، ذلكَ لا ينفصل عن الزيارة التي أجراها قائد الجيش رودولف هيكل إلى باكستان، إضافة الى إعادة الحديث عن استنساخ تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي واحتواء السلاح، وهذه ستكون مدار بحث بين هيكل والمسؤولين البريطانيين خلال زيارته للندن.
