JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

القرار بالمواجهة اتخذ… إسقاط الاتفاق في مجلس النواب؟

خط المقالة

عبدالله قمح - المدن

ردّ فعل الشارع على اتفاق الإطار الموقّع في واشنطن بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية كان أقل من المتوقع. ذلك يعطي انطباعاً عن دقة المرحلة وحساسيتها، حيث تُحتسب الخطوات بدقة، ولا يبدو أن أحداً فى وارد ارتكاب أي دعسة ناقصة. ذلك لا يعني أن الأمور حُسمت لناحية فرض أمر واقع على الجميع سيكون محل قبول منهم، وإنما قد يؤسس إلى مواجهة ذات طبيعة مختلفة، ليس مقدراً لها أن تكون ناعمة، بل خشنة تحت السقف القانوني والدستوري.

تقارير أمنية مقلقة

الخطوات المقبلة يجري بحثها تباعاً. وكان أفضل من عبّر عن دقة المرحلة رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الدستورية والتمثيلية. فلم يجد بري أمامه سوى دق ناقوس الخطر حيال احتمال الدخول في فتنة. وموقفه ليس نابعاً من تقدير شخصي أو إسقاطات على واقع حديث مستفيداً من تجارب سابقة، وإنما مبني على تقارير وصلته ووصلت إلى غيره حول دقة ما يحصل، وخطورة الأرض إن تحركت، واحتمال حصول هزات ارتدادية.

إحادية الرئيس وفخ جلسة الخميس 

كان من أكثر المشاهد دلالة، كيفية تصرف رئاسة الجمهورية مع أمر جلل يتمثل في الذهاب إلى اتفاق إطار مع من يُفترض أنه عدو، بكل ما حملته الصيغة من إلغاء لحالة العداء، في لحظة التدمير والتهجير والقتل. وشاء رئيس الجمهورية أن يتصرف بأحادية مطلقة أشعرتنا إنه يتعامل بدستور ما قبل الطائف، عندما قرر عدم وضع الرئاسة الثانية في صورة ما يصبو إليه، وتنظيم "فخ" جلسة الخميس الماضي، التي ضمنت أخذ تأييد وزراء الثنائي لبند إحاطة مجلس الوزراء علماً بالمفاوضات الجارية ثم تجيير ذلك فى مجال تغطية اتفاق واشنطن. وكانت تلك دعسة ناقصة أسست لتجاوز الرئاسة الثانية ولحزب الله، ولمكونات سياسية لا لمكون واحد قد يكون معترضاً أو غير موافق على التدبير، ورسخت انطباعاً بأن رئيس الجمهورية يتصرف بشكل مستقل دون العودة الى شركائه فى الحكم. وهذا ما أسس بالفعل قطيعة بين الرئاستين الأولى والثانية، ولا يبدو أنها ستشبه ما سبق من قطيعة، بعد أن جرى إبلاغ الوسطاء بأن الوقت ليس مناسباً لنقل الرسائل أو تبادلها أو إجراء اللقاءات.

وبدا أن المواجهة بدأت تتشكل، على الأقل بين مجموعة من القوى السياسية التي يجمعها ليس فقط الرفض أو التحفظ على كثير من البنود أو حيال التوقيع بشكله الذي حصل، بل أيضاً رفض الأحادية في التعاطي الرئاسي. وهذا ما رُصد من خلال اتصال بري بوليد جنبلاط، وكذلك من خلال موقف التيار الذي حافظ على شعرة معاوية، لكنه لم يكن بعيداً أبداً عن خلفيات النقد الصريح للاتفاق.

بطبيعة الحال، يحضر هنا حزب الله بصفته معنياً بكل ما يجري. صحيح أن الحزب يتفرغ حالياً لمحاولة ترتيب شارعه، وعدم السماح بظهور ثغرات تؤدي إلى خروج تحركات عفوية خارج إدارته، لكن الصحيح أيضاً أنه ما زال تحت وقع الصدمة مما حصل. فقد كان، حتى اللحظات التي سبقت توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، مؤمناً بمسار جنيف والآلية التي كفلت وقف إطلاق النار برعاية إيرانية، ليحصل ما حصل. ويبقى السؤال عن هوية الطرف الذي أعطى الحزب هذا الانطباع بأن الربط بين إيران والساحة اللبنانية نهائي ولا قدرة على كسره.

مواجهة ذات طابع سياسي 

على أي حال، ما وقع قد وقع، ويجدر أن ينصب البحث الآن على كيفية مواجهة الواقع الجديد، وإيجاد حلول لتغيير المسار أو تعديله. وثمة فسحة زمنية ضيقة نسبياً يمكن الاستفادة منها، مع ابتعاد الوسطاء. ويجدر بالمعنيين أن ينكبوا على دراسة ليس الأثر السياسي الذي حصل فحسب، بل كيفية التخلص منه، أو على الأقل إصلاح الإختلال الحاصل في ميزان القوى.

فإذا استقر الرأي على أن ما جرى يتجاوز الفقرة (ي) من مقدمة الدستور، وإذا حُسم أن اتفاق الإطار أرسى واقعاً يتجاوز، بمفاعيله، حق رئيس الجمهورية في التفاوض بموجب المادة 52 من الدستور، وحيث إن آثار الإتفاق تشكل تأثيراً بالغاً ليس على الحياة السياسية فقط، بل على فكرة الوحدة الوطنية، وأرخت، نزولاً على المشهد العام وأثرت على اليوميات وتكاد تأخد البلاد الى أزمة أهلية، فإن بحث الاتفاق ومناقشته وحسم مصيره يصبح من أولويات مجلس النواب، الذي يجدر به أن يتولى مهامه، "قبل أن يفلت العجل على إمه"، وفقاً لرأي خبير دستوري. 

وليس سراً أن الرئيس بري وآخرين أخذوا يبحثون عن مخارج قانونية لهذا الخلل الفاضح الذي يضع البلاد على كف عفريت. ويُفهم أن بري، الذي حذر في بيانه من الفتنة، أرسى معادلة قوامها رفض التحرك في الشارع وعدم تغطية أي تحرك مماثل، وصرف ذلك في الإنتقال إلى المواجهة عبر المعركة الدستورية وداخل المؤسسات. وكما فهم، ينكب بري وآخرون على قراءات ودراسات من شأنها العمل على إسقاط اتفاق الإطار في مجلس النواب في ظل ما يحكى حول توفر معارضة ميثاقية وغير ميثاقية له وعن وجود خلل دستوري فاضح، ما يعني أننا ذاهبون إلى معركة سياسية ودستورية، وإلى مواجهة تشريعية وقانونية تنبئ بأزمة سياسية حادة في البلاد.

ويبدو أن ذلك يحمل فاتورة أقل من أي مواجهة عسكرية أو أمنية داخلية، ويقف حائلاً أمام استثمار إسرائيل في هذه المقاربة، وهي التي جاهرت بأنها نجحت في تحويل المشكلة من مشكلة لبنانية - إسرائيلية، أو بين حزب الله وإسرائيل، إلى مشكلة لبنانية - لبنانية، أي بين حزب الله وبيئته والحكم اللبناني، بما يؤسس لمشكلة أهلية.

إسرائيل تجر الحزب إلى "فخ السويداء"؟ 

ومن الواضح أن إسرائيل تدفع، ليس نحو انقسام لبناني فحسب، بل نحو حرب أهلية. ففي منظورها، الحرب الأهلية تسرق بريق حزب الله، وتشغله، وتجره إلى الداخل اللبناني، وتربكه، وتفرض عليه إعادة تعريف أولوياته، كما تؤسس، بالنسبة إليها، إلى تشكيل لبنان مختلف قد تستثمر فوضاه، إن حصلت، في مزيد من التدخل. وربما تخلق لنفسها شرعية معينة، إذ ترى اليوم أن الشعب اللبناني بات منقسماً بين دولة مناوئة للحزب تريد حلاً أو سلاماً مع إسرائيل، وبين حزب يريد التمرد على الدولة. وليس صعباً ملاحظة أن التصنيفات الإسرائيلية الحالية رفعت الدولة اللبنانية إلى مرتبة الحليف، ليس إيماناً بها، بل لتعميق الشرخ اللبناني.

وثمة من ينظر، لبنانياً، إلى أن إسرائيل كانت تنتظر من حزب الله القيام بحركة أمنية داخلية، لتبرر لنفسها شن هجمات واسعة عليه داخل بيروت، بذريعة حماية الاتفاق وشريكتها المفترضة الحكومة اللبنانية، ويفتح لهذه الأخيرة باب طلب المساعدة، غرار ما فعلته تل ابيب في دعم دروز السويداء في مواجهة حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. وفي لبنان قد يأخذ ذلك بعداً آخر يؤسس إلى حمامات دم.

على أي حال، فإن حزب الله يعي جيداً دقة المرحلة، وقد بات يدرك أنه مطوق، وأن هناك من يعمل على زيادة تطويقه. وثمة محاذير يقاربها في أي خطوة قد يلجأ إليها، وهو يدرك أن خياراته ليست مفتوحة، وأن الوضع الداخلي يحتم الاحتكام إلى مواجهة سياسية، ونزع أي آثار لتحركات ميدانية من بيئته، ومنع القيام بأي حركة ذات طابع أمني حتى لا يتم استغلالها. وليس سراً أن الحزب عبّر عن رغبته إخماد أي تحركات احتجاجية تتجاوزه في الشارع.

ورغم أن كل ذلك يجري في غاية التعقيد، فإن المنطق يقول إن المشكلة التي يحاول الحزب استدراكها لم تأتِ بعد، ارتباطاً بالرغبات التي لا يخفيها الحكم حيال مواجهته، وأن ما جرى من اتفاق إطار، وما سبقه من إخفاء للغايات وعمليات خداع هدفت إلى تشتيت تركيز الحزب، ليس منفصلاً عن سياق قرارات حكومية بدأت في الخامس والسابع من آب من العام الماضي وهي مستمرة.

إيران مطالبة بالتدخل

ويذهب رأي لدى البعض إلى ضرورة أن تتولى طهران دوراً ما في إحياء التوازن اللبناني المنهار. فعندما يصف محمد باقر قاليباف شهداء العدوان الإسرائيلي الأخير بأنهم ماتوا دفاعاً عن إيران، وعندما تقاوم طهران لعدم الفصل بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، وعندما تفرض اتفاقاً على الأميركيين يؤسس لوقف إطلاق النار في لبنان بالتوازي مع مثيله في إيران، ثم تتفق مع الولايات المتحدة على آلية لفض الاشتباك لبنانياً تضم شركاء عرباً وباكستان، ثم يجري تجاوزها في واشنطن من خلال اتفاق إطار بين بيروت وتل أبيب، وعندما يظهر لديها أن حليفها حزب الله مطوق في الداخل اللبناني بقيود صارمة تدفعه إلى عدم القيام بأي خطوة كي لا تنسحب خطأً جسيماً في الشارع، وأن الميدان لم يعد قادراً على تغيير المعادلة الداخلية، يصبح، وفق هذا المنطق، على إيران أن تتولى أدواراً معينة لتخفيف الضغط عن لبنان وقسم من اللبنانيين.

Kommentare
NameE-MailNachricht