في تطور يعكس حجم التباعد بين واشنطن والثنائي الشيعي، وجّهت الإدارة الأميركية انتقاداً لافتاً لرئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبرة أن موقفه من مبادرة التهدئة المطروحة بين حزب الله وإسرائيل لا يساعد على دفع مسار وقف إطلاق النار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الجبهة اللبنانية نحو مرحلة أكثر خطورة.
وبحسب تقرير للصحافي باراك رافيد نشره موقع Axios الأميركي، كانت واشنطن تعوّل على أن ينجح بري في تأمين التزام من حزب الله بوقف الهجمات ضد إسرائيل، بما يتيح إطلاق مبادرة تهدئة جديدة تمهّد لخفض التصعيد بين الطرفين وتمنع توسع المواجهة.
إلا أن المسؤول الأميركي الذي تحدث لـ Axios اعتبر أن موقف بري جاء "مراوغاً ومخيّباً للآمال"، مشيراً إلى أنه أبلغ الجانب الأميركي بأن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يبدأ من الجانب الإسرائيلي أولاً.
ووفق الرواية الأميركية، أكد بري أنه قادر على الحصول على التزام من حزب الله بالتهدئة، لكنه في المقابل حمّل إسرائيل مسؤولية اتخاذ الخطوة الأولى لوقف القتال، وهو ما اعتبرته واشنطن عقبة تعرقل تقدم المبادرة المطروحة.
وتقوم المبادرة الأميركية على وقف حزب الله جميع هجماته الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع عملياتها العسكرية أو التصعيد في بيروت، في إطار مسعى أميركي لاحتواء التوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية ومنع انتقاله إلى مرحلة أكثر اتساعاً.
ويأتي هذا التباين في المواقف في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين سعياً لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، وسط مؤشرات متزايدة على تعثر مسار التهدئة حتى الآن.
ويكتسب الانتقاد الأميركي لبري بعداً سياسياً يتجاوز ملف وقف إطلاق النار، في ظل العلاقة المتوترة بين واشنطن وحركة أمل منذ سنوات. ففي أيلول 2020 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الوزير السابق علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، متهمة إياه بالتورط في قضايا فساد وتقديم دعم سياسي لحزب الله.
ولم تتوقف الضغوط الأميركية عند هذا الحد، إذ وسّعت واشنطن خلال الأيام الماضية دائرة العقوبات لتشمل شخصيات وقياديين مرتبطين بحركة أمل، من بينهم أحمد أسعد بعلبكي وعلي صفاوي، في خطوة عكست استمرار المقاربة الأميركية القائمة على استهداف شخصيات تعتبرها جزءاً من البنية السياسية والمالية المرتبطة بالنفوذ الإيراني وحزب الله داخل لبنان.
وفي هذا السياق، تبدو ملاحظات واشنطن الأخيرة تجاه بري أبعد من مجرد اعتراض على موقف تفاوضي، إذ تندرج ضمن مسار متواصل من الضغوط السياسية والمالية التي تستهدف أحد أبرز أركان الثنائي الشيعي في لبنان.
ويعكس السجال الحالي حول مبادرة وقف إطلاق النار استمرار التباين بين واشنطن والثنائي الشيعي بشأن مقاربة الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بالحرب الدائرة في لبنان والمنطقة. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض ترتيبات جديدة على الجبهة اللبنانية، يبدو أن الخلاف بات يتجاوز مسألة التهدئة العسكرية ليطال شكل التوازنات السياسية التي تريد واشنطن تكريسها في لبنان، وهو ما يجعل أي تسوية مقبلة أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار