JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

مخطط أميركي- إسرائيلي لتأسيس "جيش لبنان جنوبي" آخر

خط المقالة

عبدالله قمح - المدن

تخطط إسرائيل لإقامة طويلة الأمد في جنوب لبنان. الحديث لا يقتصر على "الخط الأصفر" فحسب، بل يتجاوزه. فهناك، تعمل إسرائيل على تهيئة الأرضية للتقدم نحو قرى تقع شمال نهر الليطاني، بعمق لا يتعدى الكيلومترين. لم يعد ذلك مجرد تكهنات، بل بات واقعاً يمكن قراءته من خلال تعمد الجيش الإسرائيلي توجيه إنذارات بالإخلاء إلى قرى متاخمة للضفة الشمالية للنهر أو واقعة في عمقها، بالتزامن مع شن عمليات قصف واسعة تشبه إلى حد بعيد عمليات التدمير الجارية داخل المنطقة المحتلة.

إذن، لا تبدو إسرائيل في وارد التفاوض الجدي مع لبنان في الوقت الراهن. فهي تنتظر استكمال رسم استراتيجيتها الحربية- التفاوضية؛ أي تثبيت خطوطها فوق الأرض اللبنانية، قبل الانتقال إلى مشهد تفاوضي تنطلق فيه من موقع التفوق الميداني. وبذلك، يصبح كل ما يجري تداوله حالياً عن مفاوضات أو هدن أو وقف لإطلاق النار مجرد أحاديث تصدر عملياً عن طرف واحد.

ما بات لبنان على بيّنة منه، بالرغم من استمرار بعض القيادات في تجاهله، هو أنَّ دولاً خارجية فهمت بوضوح أن إسرائيل لا تفكر بالانسحاب، لا الآن ولا لاحقاً، من الجنوب أو على الأقل من "الخط الأصفر". وقد أوصلت تل أبيب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر قنوات التفاوض أو غيرها، رسالة واضحة إلى الجانب اللبناني مفادها أن المنطقة الأمنية قضية نهائية ومحسومة بالنسبة إليها، وتقع في صلب ما تسميه "خطة حماية المستوطنات الشمالية". يشمل ذلك النقاط العسكرية التي أنشأها الجيش الإسرائيلي جنوب الليطاني عام 2024. 

أضف إلى ذلك، أن إسرائيل تحاول تثبيت نياتها ميدانياً، من خلال مساعٍ جارية لنقل الجدار الاسمنتي الفاصل بين القرى الأمامية والخط الأزرق، إلى ما هو أبعد من القرى الأمامية نفسها. وقد علم أن إسرائيل بدأت، قبل فترة قصيرة، إنشاء قواعد وأساسات لهذا الخط في قرى مثل عيتا الشعب، مع تفكير بإقامة شريط بعمق كيلومترين داخل الأراضي اللبنانية المحتلة جنوب الليطاني، من دون إلغاء الجدار السابق.

في ضوء ذلك، تبدو كل الأحاديث المتداولة عن هدن أو وقف لإطلاق النار لفترات محددة بلا قيمة فعلية. وكذلك الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق هذه الطروحات داخلياً. بعض مصادر المعلومات تكشف أن السفيرة في واشنطن، ندى معوض، بادرت، بطلب من قصر بعبدا، إلى التحرك لدى الإدارة الأميركية لتحويل هدنة الـ45 يوماً إلى هدنة شاملة. وقد أبلغت دوائر في وزارة الخارجية الأميركية أن لبنان يفضل الذهاب إلى وقف شامل لإطلاق النار، وأن بيروت تعمل مع حزب الله لإقناعه، بالوسائل المناسبة، بوقف عملياته. وطلبت من الأميركيين أن يبادروا في المقابل إلى التواصل مع إسرائيل والعمل معها.

بطبيعة الحال، لم تجد واشنطن سبباً لرفض اقتراح من هذا النوع، ترى فيه مكسباً يرتبط بفصل المسارات بين حزب الله وإيران. لكنها، في المقابل، لم تقدم للبنان أي التزام واضح، بل اكتفت بالقول إنها ستبحث الأمر مع الإسرائيليين، فيما يتعين على اللبنانيين مواصلة العمل داخلياً وأيضاً عليهم التفكير بمناقشة الإسرائيليين الأفكار في المرّة المقبلة. في تلك الأثناء، كان قصر بعبدا ينقل إلى عين التينة مقترحاً مع طلب تمريره إلى حزب الله لعرض الفكرة، من دون أن يقدم الحزب أي جواب، لا شفهياً ولا خطياً، فيما بقية التفاصيل والنتائج باتت معروفة….

عملياً، لم تُظهر إسرائيل في أي لحظة نية أنها تريد وقفاً فعلياً لإطلاق النار، والدليل الغارة التي استهدفت دورس- بعلبك بعد دقائق معدودة من دخول الصيغة الثالثة الممددة لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وللتذكير، تعامل الحزب مع الهدنة الممددة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع سابقاتها. منحها فرصة، وعلّق عملياته لفترة قصيرة، قبل أن يستأنفها بعدما تبيّن له أن إسرائيل مستمرة في عملياتها العسكرية.

كل ذلك يقود إلى خلاصة أساسية، أن إسرائيل لا تريد اليوم وقفاً لإطلاق النار، ولا نهاية للحرب، كما أنها لا تريد الانسحاب. بل ستعمل، من الآن فصاعداً، على تمييع المفاوضات وإطالتها، كما تفعل دائماً. ويمكن اللجوء إلى كتاب "الغد هو الأمس" لفهم أوسع لنماذج "الميوعة التفاوضية" التي تعتمدها تل أبيب في إدارة الصراعات.

بموازاة ذلك، تعمل إسرائيل على إعداد أرضية لسيطرة طويلة الأمد، أو لمحاولة فرض سيطرة من هذا النوع. وهي تفكر بصيغة تشبه، بشكل أو بآخر، تجربة "جيش لبنان الجنوبي"، لكن بنموذج مختلف مندمج شكلاً بالمؤسسة العسكرية الرسمية. من هنا جاء الحديث عن تأسيس لواء عسكري جديد داخل الجيش اللبناني، في إطار ما يسمى "الترتيبات الأمنية" بين لبنان وإسرائيل، فيما يبدو أن الهدف الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير.

ووفق ما نُقل إلى بيروت عبر قنوات أمنية، فإن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية تخططان فعلياً لتأسيس فرقة عسكرية لبنانية. وتسعى عبر الأميركيين إلى دفع لبنان نحو القبول بالأمر. لكن يبدو أن هناك تجاذباً بين الإسرائيليين والأميركيين حول الهدف من هذه الصيغة. فواشنطن، يبدو أنها تتعامل مع الفكرة باعتبارها جزءاً من ترتيب أمني يهدف إلى تنفيذ قرارات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وترى أن مهمة هذا اللواء المعزز تقتصر على ترجمة مساعدة الحكومة اللبنانية. في المقابل، يفكر الإسرائيليون بصيغة تبدو أوسع بكثير من المقاربة الأميركية، أن يتولى اللواء، ليس إدارة "الخط الأصفر" أو المنطقة الأمنية، على غرار ما نص عليه اتفاق 17 أيار 1983 بالنسبة إلى "اللواء الإقليمي"، بل الإمساك بالمناطق الواقعة خلف هذا الخط، ولا سيما في البقعة التي تعمل حالياً على رسمها عند الضفة الشمالية لنهر الليطاني، أي العودة الى نظرية "أكياس الرمل" أيام جيش لحد، مع منحه صلاحيات تنفيذ بنود التفاهمات الأمنية مع لبنان وأن يشكل "مكتب إرتباط" مع الإسرائيليين. 

والمفارقة أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة تتصرفان على أساس أن الفكرة باتت شبه ناضجة، وأن المطلوب فقط هو إطلاق عملية التجنيد. وفي هذا السياق، يجري التفكير خارج الأطر التقليدية المعتمدة داخل الجيش اللبناني، بحيث يُصار إلى استقطاب عناصر جديدة لهذا اللواء من خارج البنية المعتادة للمؤسسة العسكرية.

ومع تسريب الأهداف المتوخاة من تشكيل هذا اللواء، بدا واضحاً أن الحديث لا يدور عن مجرد متطوعين، بل عن مقاتلين ذوي طبيعة وظيفية محددة. وهناك من يعتقد أن بعض البيئات الحزبية قد تُستخدم لتأمين عناصر تدرك جيداً طبيعة المهمة المطلوبة منها.

ومن هنا، لم يأتِ كلام عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله عن تهديده بقتال أي فصيل عسكري تؤسسه الولايات المتحدة، من فراغ. فالحزب، كما الدولة والأجهزة الأمنية، يمتلك، على ما يبدو، معطيات أو مؤشرات جدية حول ما يجري التحضير له. ولذلك جاء سقف موقف فضل الله مرتفعاً، في إطار التحذير الاستباقي.

في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على إنشاء إطار تنسيقي- أمني، لبناني- إسرائيلي مشترك، بات يشير البعض إليه بصفة "اللجنة الأمنية العسكرية المشتركة"، بوصفها نسخة مطورة عن "الميكانيزم" لكن طبعاً من دون وجود أي دور فرنسي أو دور لليونيفيل أو ما يوازيها. غير أن فهم المهمة الوظيفية لهذه اللجنة يوحي بأنها أقرب إلى جهاز تنسيق أمني دائم، يشبه، من حيث الوظيفة، جهاز "الأمن والإستطلاع" الذي نشأ زمن الوصاية السورية، وما سمي "لجان الارتباط الأمني" التي وردت في اتفاق 17 أيار 1983، أكثر مما تشبه لجنة مراقبة تفاهم نيسان 1996.

وبمعنى أوضح، تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى إنشاء إطار تنسيق أمني مباشر بين لبنان وإسرائيل، ولهذا السبب جرى فصل المفاوضات إلى مسارين: سياسي وأمني. فالمسار السياسي منفصل عملياً عن القضايا الأمنية، بما فيها الانسحاب أو الترتيبات الحدودية أو حتى إنشاء مكاتب ارتباط بين الطرفين، وهي كلها ملفات تُبحث ضمن الإطار الأمني الذي يجري التحضير له مع وفد عسكري لبناني يجري العمل على تشكيله.

أما فكرة التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، فتُدار بمعزل عن هذه الترتيبات، وكأنها ملف مستقل تماماً، ومن خارج أي شرط للإنسحاب كممر إلزامي للوصول إلى إتفاق سياسي. 

وفي هذا الإطار، تنكب قيادة الجيش حالياً على دراسة الطلب الذي وردها من رئاسة الجمهورية لتشكيل وفد أمني من خبراء عسكريين وتقنيين عسكريين، تنفيذاً لنتائج الجولة الثالثة من المفاوضات، تمهيداً للتوجه إلى واشنطن في 29 من الشهر الجاري للمشاركة في مفاوضات أمنية مع الإسرائيليين برعاية أميركية.

عملياً، يبدو الجيش منفتحاً على تشكيل الوفد طالما أن القرار صدر عبر القنوات الرسمية من السلطة السياسية. لكنه، في المقابل، لا يبدو متحمساً لفكرة إنشاء لواء جديد قد يتحول مستقبلاً إلى ما يشبه "جيشاً داخل الجيش"، ولا سيما أن الطروحات المتداولة تتجاوز، بحسب فهم عدد من الضباط، المبادئ التي تحكم التوازنات الداخلية والسلم الأهلي والإستقرار داخل المؤسسة العسكرية.

كما أن ثمة خشية داخل المؤسسة من أن يكون المشروع المطروح يمهد لتأسيس بنية عسكرية شبه مستقلة داخل الجيش، بهيكلية وقيادة ووظيفة مختلفة عن المؤسسة الأم، بما يفتح الباب أمام إشكاليات شديدة الحساسية على المستوى الوطني والعسكري.

Comments
NameEmailMessage