عبدالله قمح - المدن
لم تُسوَّ الشؤون العالقة بين الرؤساء الثلاثة، ولم تُتجاوز الخلافات بينهم. لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري عاتباً على رئيس الجمهورية على خلفية بيانه الأخير، ولا يزال عون مصراً على ما قاله. رغم ذلك، توحي الإجراءات باستمرار العمل على عقد اللقاء الرئاسي الثلاثي، فيما تشير آخر المعطيات إلى احتمال تحديد موعد قريب، قد يكون منتصف الأسبوع المقبل أو الذي يليه كحدّ أقصى، بالتوازي مع اتصالات جارية لإنضاج الظروف.
ما فرض هذا المسار مسألتان متوازيتان غير منفصلتين، وثالثة ترتبط بهما عضوياً أو باتت كذلك بحكم الوقائع: بيان السفارة الأميركية الذي صدر مساء الخميس، وزيارة السفير الأميركي ميشال عيسى صباح الجمعة إلى قصر بعبدا. يُضاف إلى ذلك عامل ثالث يتمثل في التصعيد الإسرائيلي الكبير في الجنوب، الذي لامس عتبة الحرب، ويبدو أنه مقصود لدفع الضغوط على الدولة اللبنانية إلى الأمام.
في ما يتعلق بزيارة السفير عيسى إلى قصر بعبدا، فالمعلن رسمياً أنها جاءت لوضع رئيس الجمهورية جوزاف عون في أجواء الوساطة الأميركية لاسيما أن عيسى -المكلف بالمسار اللبناني الإسرائيلي- عاد لتوه من واشنطن، لا لمجرد مراضاته أو تهدئة مخاوفه حيال مصير الهدنة المترنحة، أو بشأن مصير اللقاء الذي تضغط واشنطن لعقده بينه وبين بنيامين نتنياهو برعاية وإشراف دونالد ترمب.
غير أن ما لم يُعلن يوحي بما هو أكثر أهمية. أولاً، الدور الأساسي الذي يلعبه السفير عيسى في هذا المسار، والذي ارتقى إلى مستوى الرعاية والإشراف عليه كممثل شخصي لترمب. وثانياً، ارتباط ذلك عضوياً ببيان السفارة في عوكر، ولا سيما لجهة حضّ الرئاسة على تسريع إجراءات توسيع إطار التفاوض المباشر، ومقدمته عقد اللقاء الثلاثي في واشنطن برعاية ترمب. ويقول مصدر لـ"المدن" إن السفير عيسى حمل إلى قصر بعبدا "نصيحة" بإتمام اللقاء في أقرب موعد، وأن اللقاء الثلاثي المرتقب رُقّي إلى مرتبة تدشين المرحلة الثانية من التفاوض، إذ لا انتقال إلزامياً أو تطويراً في مسار التفاوض من دونه.
أما صدور بيان السفارة، ففرضته أيضاً جملة عوامل، منها النزاع الداخلي الذي انعكس على الاجتماع المفترض عقده في واشنطن بين عون ونتنياهو برعاية الرئيس ترمب. وتشير مصادر إلى أن هذا النزاع، ولا سيما الذي تفجّر بين عون وبري عقب البيانين الشهيرين، فرمل أي مسعى لتلبية عون الدعوة إلى واشنطن، وكشف عن تباين واضح، فضلاً عن مخاوف على الوضع الداخلي نتيجة الانقسام الحاد الذي اتخذ طابعاً عامودياً، وأسس لهواجس ذات بعد طائفي، وأفضى إلى نزع أي غطاء شيعي عن زيارة من هذا النوع، ما دفع عون إلى التذرّع بهذه الاعتبارات لتسريب عدم رغبته لتلبية اللقاء.
السبب الثاني لبيان السفارة كان في إطار توجيه الرسائل؛ إذ بدا أقرب إلى الوعظ أو تقديم "النصيحة الأخيرة" لوضع الأمور في نصابها وفق الرؤية الأميركية، وإشهار الموقف قبل الانتقال إلى مسار من الضغوط المتصاعدة، لا سيما أن المهلة التي حدّدها ترمب تكاد تنفد، ولم يبقَ منها سوى نحو أسبوع من دون تسجيل أي تطور إيجابي يُذكر. من هنا، دخلت السفارة على خط حضّ الرئيس على تلبية الدعوة، موجّهة موقفاً حاداً إلى الداخل اللبناني محشواً بالرسائل، وربما إلى ما هو أبعد.
سبق ذلك كلام داخلي، وصل جزء منه إلى عون تحديداً، يتعلق بالنتائج المتوقعة من ترمب في حال رفض الدعوة، ولا سيما أن سلوكه غير قابل للتنبؤ. وثمة من ربط بين التصعيد الإسرائيلي الجاري في الجنوب وبين الموافقة الأميركية عليه، في ظل الجمود الحاصل في ملف الزيارة، أو ما يُوصَف أميركياً بـ"غياب الجرأة"، بوصفه مؤشراً إلى ما قد يأتي في حال استمرار الرفض. ويستند أصحاب هذا الطرح أيضاً إلى كيفية تعامل ترمب مع رفض عون سابقاً لفكرة الاتصال الثلاثي التي اقترحها السفير عيسى، وطلب إلى وزير الخارجية ماركو روبيو الإشراف عليها؛ إذ لم يُسقَط المقترح، بل جرى تطويره إلى صيغة أكثر تقدماً وصعوبةً، تمثلت في طرح اللقاء الثلاثي المباشر.
من دون شك، وبالإضافة إلى العامل الداخلي، ثمة من يعزو جزءاً من تراجع حماسة عون للذهاب إلى اللقاء الثلاثي في البيت الأبيض إلى مواقف دول عربية. وصحيح أن زيارة الأمير يزيد بن فرحان الأخيرة هدفت في جزء منها إلى دعم خيارات الرئاسة في المضي نحو التفاوض المباشر وفقاً للمبادئ التي سبق لعون أن أعلنها —وهو ما انعكس، وفق أحد التفسيرات، في بيان المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الذي وفّر غطاءً إسلامياً سنياً —إلا أن الرياض، ومعها دول عربية أخرى، تسعى إلى ضبط الاندفاعة اللبنانية، وحصرها في إطار اتفاق أو ترتيبات أمنية، تتولاها وفود من الجانبين في المرحلة الراهنة، تماماً كمثل ما تريد بالنسبة إلى سوريا.
في هذا السياق، يمكن ربط الدعم الداخلي لتطوير اتفاقية الهدنة بوصفها خياراً سياسياً متقدماً، مع المفاضلة العربية لتجنب فتح مسار الاتفاق السياسي مع إسرائيل في الوقت الراهن، والتمسك بخيار واحد وفي توقيت واحد، بعد تحقيق شرط حل الدولتين، كما تشترط السعودية تحديداً.
بدورها، تبدو مصر غير بعيدة عن نمط التهدئة اللبنانية. وسبق لها أن تقدمت بورقة مقترحات إلى حزب الله حظيت باهتمام رئيس مجلس النواب نبيه بري. وتعود القاهرة، من خلال ذلك، إلى لعب أدوار إيجابية لمصلحة لبنان، وتؤسس مع السعودية ومع إيران أيضاً -بطريقة أو أخرى- إلى مسار عدم الإستفراد بلبنان. وفي هذا الإطار، يبرز اقتراح مصري برعاية واستضافة جلسات تفاوض مباشرة بين لبنان وإسرائيل، من دون المسّ بالرعاية الأميركية. إلا أن هذا الطرح لا يحظى بدعم واشنطن أو تل أبيب، لاعتبارات تتصل برغبة مصر في تكريس دورها كراعٍ للمسار اللبناني، ومنع الاستفراد به، وكتحولها إلى عامل توازن بالنسبة للبنان على الطاولة، انطلاقاً من مظلة عربية أوسع تسعى إلى ضبط إيقاع القرار اللبناني، ومنعه من الذهاب بعيدًا في المسار السياسي مع إسرائيل، والاكتفاء بالترتيبات الأمنية.
في موازاة ذلك، تبرز تعقيدات لبنانية داخلية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ضوء الانقسام الداخلي والرفض الشيعي لأي خطوة تفاوضية مماثلة وصولاً إلى إعلان حزب الله عدم اعترافه بأي نتائج قد تترتب عليها، وعليه لا بد من رصد كيفية تعامل حزب الله مع أي خطوة من هذا النوع إن حصلت.
