JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

مفاوضات المسارين: إسرائيل تريد لبنانين وجيشين

خط المقالة
منير الربيع - المدن

في الشكل، تبدو المفاوضات وكأنها محاولة لجمع "الماء والزيت". وهو ما ينطبق على مفاوضات أميركا وإيران، ولبنان وإسرائيل. كل طرف يذهب إلى التفاوض حاملاً مطالب لا يمكن أن تتوافق مع الطرف الآخر. أما في المضمون، فلا معلومات دقيقة حول الكيفية التي ستجري فيها الأمور. في الملف النووي، من الواضح أن لا اتفاق مطلقاً بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، لذلك، وتجنباً للحرب لجأ الطرفان إلى التفاوض على وضع مذكرة تفاهم حول رفع الحصار عن إيران، مقابل فتح مضيق هرمز، وتحرير بعض الأموال الإيرانية المجمدة، وبعدها الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاوض على مدى 60 يوماً للوصول إلى تفاهم بشأن النووي، حيث تبقى الخلافات معلقة ومؤجلة حول مختلف البنود. 

في المضمون أيضاً، فإن ترامب يريد من إيران التخلي عن المشروع النووي، وقف التخصيب، وإخراج اليورانيوم المخصب بدرجة عالية إلى الخارج وإتلافه، أما ما لا يُذكر في كل التسريبات والمواقف هو شرط أميركي إسرائيلي مع دول عربية وغربية عديدة يتعلق بوقف إيران دعمها لحلفائها في المنطقة، وإنهاء نفوذها الإقليمي. أما من جهة طهران، فهي ترفض التخلي عن حلفائها وتعتبرهم الأساس في مشروعها، كما ترفض التخلي عن النووي والصواريخ البالستية. مع كل اقتراب من نقطة الاتفاق، يبرز شرط جديد أو نقطة تعرقله أو تؤخره، ذلك في الأساس لأن أي اتفاق سيخرج فيه أحد الطرفين خاسراً. واشنطن تريد اتفاقاً تستسلم فيه طهران، بينما الأخيرة ترفض الاستسلام، وكل ما تطرحه وتوافق عليه تعتبره يصب في صالحها. 

طلب الإيرانيون إعلاناً أميركياً استباقياً حول رفع الحصار عن إيران، وذلك كي يوافقوا على مذكرة التفاهم. خرج ترامب وأعلن استعداده لرفع الحصار لكنه أرفق الإعلان بموقف حول اليورانيوم عالي التخصيب وهو ما تعتبره إيران مؤجلاً إلى المفاوضات اللاحقة. هنا تتحول المفاوضات إلى ساحة مزايدة إعلامية بين الجانبين. لكن الإيرانيين يجيدون لعبة الوقت والتدرج في المطالب، إذ طالبوا بإعلان ترامب عن فك الحصار، وبعدها يريدون المطالبة بضرورة سحب القوات العسكرية المنتشرة حول إيران، لأنهم لا يفاوضون تحت الضغط، وفي حال سحبت الولايات المتحدة أسطولها وجحافلها سيكون من الصعب إعادتها، وعندها تسلك المفاوضات طريقها الطويل التي ستكون بالتأكيد قابلة للتمديد لأكثر من ستين يوماً بكثير. 

عملياً، لا توجد مقومات اتفاق حول الملف النووي، أو الصواريخ البالستية، أو النفوذ الإقليمي ودعم الحلفاء بين إيران والولايات المتحدة، ما هو مطروح هو اتفاق على وقف الحرب والعودة إلى مفاوضات قد تطول جداً، من دون أن يتخلى أحد الطرفين عن أهدافه. أما المسألة الثانية التي يمكن أن تكون مطروحة هي عودة ترامب إلى تنفيذ ضربات عسكرية قوية وسريعة يعتبر فيها أنه قادر على تعديل موقف إيران التفاوضي، أو دفعها إلى أزمة اقتصادية اجتماعية كبيرة تنجم عنها أزمات سياسية أو أمنية داخلية تبقيها في حالة فوضى. 

مذكرة التفاهم على وقف الحرب ورفع الحصار، والإفراج عن الأموال، ستستثمرها إيران لصالحها على مستوى المنطقة بالتحديد وهي ستفرض على الأميركيين الضغط على إسرائيل لوقف الحرب ضد حزب الله. وهذا أحد البنود المطروحة بقوة في المفاوضات بين الجانبين، وهذا ما يرفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرفض أيضاً أي اتفاق بين أميركا وإيران، وهو يدفع باتجاه العودة إلى الحرب. 

على إيقاع المفاوضات الإيرانية الأميركية، يسيّر نتنياهو عمليته العسكرية في جنوب لبنان، فيسرعها ويكثف النار، ويوسع الإخلاءات ونطاق السيطرة والاحتلال لتثبيت واقع عسكري جديد في حال فرض الأميركيون عليه وقف النار. يبدو نتنياهو في سباق مع الزمن، بينما الكثير في لبنان والخارج يعتبرون أنه في حال لم يتعرض لضغط أميركي جدي لوقف الحرب، فيمكن للإسرائيليين مواصلة التوغل إلى مناطق ونقاط غير متوقعة. أحد الدبلوماسيين يعتبر بأنه في حال لم يتعرض نتنياهو لضغط كبير يجبره على وقف الحرب فهو ينوي التقدم نحو نهر الأولي، مصادر أخرى تتحدث عن نيته الجدية الوصول إلى نهر الزهراني مع فتح معركة جبل الريحان وإقليم التفاح. 

في ظل تصعيد وتيرة الحملة العسكرية، عقدت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية. أيضاً بدت المطالب متباعدة جداً، تخلل الاجتماع الكثير من التوتر. الوفد اللبناني تمسك بالمطالبة بوقف إطلاق النار والانسحاب. وهو ما رفضه الإسرائيليون بالكامل، مشددين على بقائهم ومواصلة عمليتهم إلى حين تفكيك سلاح حزب الله. إنها مفاوضات بمنطقين، تريد إسرائيل فيها خلق لبنانين وجيشين، لبنان يعمل بالتنسيق معها سياسياً، ولبنان آخر يقاتلها ويواجهها. وجيش ينسق معها عسكرياً وأمنياً لتفكيك سلاح حزب الله وضبط الوضع في الجنوب، وجيش آخر يرفض ذلك كلياً. مثل هذه المطالب المتضاربة إلى حدود بعيدة، لا يمكن أن تؤدي إلى اتفاق، بل تسهم في مواصلة الحرب، وقد تشكل وصفة خالصة لجعل الحرب داخلية، أو أن ما سينتج عنها هو احتلال طويل الأمد يقابله استمرار في عمليات المقاومة، لكن النتيجة ستكون تغييراً ديموغرافياً يؤسس لانفجارات اجتماعية وسياسية وأمنية أيضاً. تبقى المسألة معلقة على معجزة لإخراج لبنان من هذه الشرنقة. 

Commentaires
NomE-mailMessage