JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

عشر دقائق في بيروت.. وإبادة جماعيّة

خط المقالة

محمود وهبة - المدن

الصباح لم يكُن عادياً. كأنّه كان صباحاً ينذرُ بأنّ المدينة ذاهبة إلى حتفها. خلال دقائق تغيّر شكل المدينة. أصواتُ الغارات قطعت إيقاعنا اليومي في المكتب. إيقاع الحرب التي تعصفُ بالبلد الملعون منذ ما يربو على أربعين يوماً تغيّر. عشرات الأصوات والانفجارات تشتعل خلف بعضها. الناس في الشوارع. زمامير وسيارات وإسعافات وحركة خروج جماعي من الأحياء المجاورة.

الطرقات امتلأت خلال وقت قصير. ازدحام خانق في الاتجاهات الخارجة من بيروت. سيارات متوقفة وتسير ببطء شديد. بعض العائلات لم تجد وسيلة نقل. نراها تسيرُ على الأقدام لمسافات طويلة. 

كورنيش المزرعة. الناس يحملون حقائبهم الصغيرة، يتركون سياراتهم ويغادرون مبتعدين عن الضربة. يغادرون من دون خطة، يهربون فقط من المكان المشؤوم.

إسعافات تتحرّك بكثافة. صفارات متواصلة في أحياء بيروت كلّها. الجرحى ينقلون إلى المستشفيات. الأرقام مهولة والمشاهد مؤلمة ولاذعة. الأهالي يتجمّعون قرب الأبنية المتضررة، بانتظار إخراج العالقين هناك أو التأكد من مصير أقاربهم.

بيروت اليوم ليست كما كانت قبل ساعات. بيروت مدينة بحركة نزوح مفتوحة. المستشفيات مزدحمة. الطرقات تتحول إلى خطوط خروج. وما سيحدث لاحقاً مرتبط بما ستنتجه الاتصالات السياسية. لكن حتى الآن، المشهد على الأرض واضح. القصف مستمر، والناس يغادرون.

في بعض الأحياء، انقطع التيار الكهربائي بشكل مفاجئ بعد الضربات. الأبنية السكنية تضررت واجهاتها. زجاج متناثر على الطرقات. المحال التجارية أقفلت أبوابها على عجل. لا شيء في الداخل سوى الظلام والقلق. 

مداخل المستشفيات، المشهد عنوان القسوة. سيارات تصل تباعاً. أشخاص ينزلون مسرعين. المصابون يُحملون بوسائل بدائية. أقسام الطوارئ مكتظة. الكوادر الطبية تعمل تحت ضغط هائل. وزارة الصحة تعلن الاستنفار. 

الأولوية في الطرقات للهروب. تعطّلت إشارات السير ولم تعد ذات معنى. السيارات تسير في اتجاه معاكس. الأخرى تصعد على الأرصفة. عناصر من الدفاع المدني يحاولون تنظيم الحركة. كثافة السيارات تفوق القدرة على السيطرة.

أخبار المفقودين تتداول بين الناس. الأسماء تُنادى في الشوارع، والاتصالات لا تُجيب. صور الأطفال تغزو المكان وتغزو الهواتف ومراكز الصحة. أطفال عثر عليهم ولم يعرف لهم أهل. المتطوعون تجمعوا للمساعدة من كل حدب وصوب. 

بيروت مدينة تُقصف. أمام هول ما يراه الناظر يسأل لماذا يحدث كل هذا بهذا الشكل؟ ما الذي يجعل من حيٍّ مكتظ بالسكان هدفاً مشروعاً خلال دقائق؟ أيُّ منطقٍ هذا الذي يختصر مدينةً كاملة في "مطلوبٍ" يُراد تصفيته، ولو كان الثمن عشرات العائلات التي تعيش فوقها وحولها؟

هذه هي إسرائيل. ألا تعلمُ أنّ الهاربين هنا ليسوا جزءاً من معركة؟. مواطنون أبرياء لا يحملون سوى ما خفّ من أشيائهم، وخوفاً كبيراً في قلوبهم. فجأةً يجدون أنفسهم في قلب ضربةٍ إسرائيليّة لا تميّز أحداً عن أحد.

النجاة في بيروت صارت مصادفةً. والحياة نفسها صارت تفصيلاً يمكن تجاوزه في حساباتٍ أكبر لا تُرى. منْ يدخُل المستشفى ويتجوّل في أقسام الطوارئ، لا يعود لديه مكان للسياسة، يرى إخوته مشلّعين في عدد الإصابات وفي أعمارهم. يقف حائراً ويسأل: أيّ حربٍ هذه التي تحتاج كلّ هذا العدد من المدنيين لتبرير ضربة واحدة؟

بين الادعاء الإسرائيلي والواقع، مساحة كاملة من البشر تُمحى خلال دقائق. أحاديث كثيرة خبيثة عن أهداف محددة لا تغيّر شيئاً في المشهد على الأرض. المباني التي سقطت لم تكن فارغة، والطرق التي امتلأت لم تكن مخصصة لمرور العسكر. والوجوه الخائفة التي تهرب الآن في بيروت ليست جزءاً من أيّ خطّ اشتباك. مواطنون عزّل وضحايا. هذا ما تستهدفه إسرائيل.

عشر دقائق فقط. الشوارع تغيّرت ومعها حياة آلاف الأشخاص. تحوّلت أماكنهم من بيوتٍ آمنة إلى طرقاتٍ مفتوحة وأهداف إسرائيليّة. هذه صورة مكثّفة عن معنى أن تتحوّل مدينةٌ كاملة إلى ساحةٍ مفتوحة، يُعاد رسمها بالقوة، ويُترك أهلها ليواجهوا النتائج وحدهم حتى اللحظة.

بيروت تترقّب. 1000 ضحيّة بين شهداء وجرحى. الغارات مستمرّة. المؤشرات غير واضحة عن توقف الغارات. الطائرات في الأجواء. الناس مشردون. الناس متروكون. ولا شيء يرفعُ عنا هذا الويل. 

Commentaires
NomE-mailMessage