دوللي بشعلاني - الديار
في المشهدية اللبنانية الراهنة، لا يبدو الدعم الفرنسي والسعودي لرئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي ظهر بقوّة خلال الأيام الماضية، مجرد تقاطع ديبلوماسي عابر، بل أقرب إلى محاولة مشتركة، لإعادة هندسة التوازن الداخلي. غير أن هذا "الدعم"، لا يمكن قراءته كـ"رعاية مجانية"، بل كجزء من حسابات سياسية دقيقة لكلّ طرف. كما أنّه لا يقوم على مشروع واحد، بل على مقاربتين مختلفتين، تتقاطعان عند نقطة واحدة هي "منع انهيار الدولة اللبنانية، ولو عبر إدارة التناقضات بدلاً من حلّها".
فما الذي تريده فرنسا؟ إنّ المقاربة الفرنسية، على ما تقول مصادر سياسية مطلعة، تقوم على فكرة مركزية ثابتة، وهي "الحفاظ على الدولة اللبنانية، ومنع انهيار مؤسساتها العسكرية والسياسية". وضمن هذا الإطار، تنطر باريس إلى الرئيس عون كـ"شريك مؤسساتي"، يمكن العمل معه في ثلاثة مسارات رئيسية:
1- تعزيز موقع الجيش اللبناني، كعمود فقري للإستقرار. وهو ما تؤكد عليه فرنسا في كلّ مبادراتها المرتبطة بالجنوب والحدود.
2- منع الانهيار الكامل للنظام السياسي، عبر دعم شخصية توافقية قادرة على التواصل مع مختلف القوى الداخلية، بما فيها حزب الله.
3- إحتواء الصراع مع "إسرائيل" عبر الديبلوماسية، ومنع الإنزلاق إلى حرب شاملة. وهو ما يفسّر دعمها لأي مسار تفاوضي غير تصادمي. فعون نفسه تحدّث عن تفضيل الحلول الديبلوماسية، وتفعيل القنوات التفاوضية بدل الحرب. بمعنى آخر، إنّ فرنسا لا تراهن على تغيير جذري في ميزان القوى الداخلي، بل على تثبيت الدولة، من خلال اختيار نقطة توازن تمنع الانفجار، وتبقي لها دوراً في شرق المتوسط.
أمّا ما الذي تريده السعودية من دعم عون، فتشير المصادر السياسية إلى أنّ المملكة تنطلق من قراءة أكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية. ويمكن تلخيص أهداف الرياض بثلاث نقاط:
1- دعم الرئاسة كقناة وحيدة للإستقرار. فثمّة انفتاح سعودي على التعامل مع عون كمرتكز توازن داخلي، قادر على التحدّث مع جميع الأطراف، دون أن يكون جزءاً من الاستقطاب الحاد.
2- إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي إقتصادياً وسياسياً بعد سنوات من التوتّر. وتُبدي استعدادها لمساعدته في إعادة إعمار كلّ ما تهدّم جراء الحرب، على أن يصرّ لبنان على تحرير كامل أرضه، واستعادة الأسرى ، وعودة المواطنين الذين نزحوا من بلداتهم وقراهم اليها.
3- تخفيف التوتّر مع الثنائي الشيعي. واللافت، أنّ ما تلا الزيارة كان انخفاضاً نسبياً في حدّة الخطاب المتبادل، حيث بدأ الثنائي الشيعي يستخدم نبرة أقل تصعيداً تجاه الرياض وباريس أيضاً، في تحوّل يعكس إدراكاً متبادلاً بأنّ التصعيد لم يعد مجدياً في اللحظة الحالية.
والسعودية، على ما توكّد المصادر السياسية، لعبت دوراً أساسياً في تثبيت وقف إطلاق النار. وتحرص بالتالي على إبقاء لبنان تحت المظلّة العربية، وعلى إمساكها بالملف اللبناني. ويُسجّل لها أنّها لا تزال ترفض التطبيع النهائي مع "إسرائيل"، والسير باتفاقيات "ابراهام"، انطلاقاً من ثوابت أساسية لديها، ولا سيما مقرّرات قمة بيروت 2002 (المعروفة بالمبادرة العربية للسلام)، التي تشترط الإنسحاب "الإسرائيلي" إلى حدود الرابع من حزيران 1967.
من هنا، فالسعودية مع عدم وضع ضغوطات كبيرة على لبنان للذهاب إلى التفاوض، خشية من أن يصبح اتفاق الطائف – وهو أحد أهمّ إنجازاتها - في مهبّ الريح.
ورغم اختلاف الدوافع، ترى المصادر السياسية، أنّ هناك تقاطعاً واضحاً بين باريس والرياض: ففرنسا تريد استقرار الدولة بأي ثمن سياسي، والسعودية تريد إعادة تموضع لبنان عربياً. وكلاهما يريد تجنّب انهيار شامل أو حرب مفتوحة. وهذا التقاطع أنتج عملياً ما يمكن وصفه بـ"إدارة التهدئة"، لا "حلّ نهائي للأزمة".
فهل يمكن القول بأنّ التوتّر بين عون وحزب الله قد انتهى؟ تعتبر المصادر بأنّ العلاقة اليوم ليست تصادماً ولا توافقاً، بل هدنة سياسية مرنة: فالرئاسة تسعى لتثبيت مرجعية الدولة، وحزب الله يسعى للحفاظ على موقعه ودوره. في حين أنّ فرنسا والسعودية تعملان كـ"مظلّة تهدئة" لمنع الانفجار. غير أنّ هذه المعادلة تبقى هشّة، لأنّ الملفات الأساسية ما زالت بلا حلّ، لا سيما سلاح الحزب والحدود الجنوبية، وشكل العلاقة مع "إسرائيل"، ودور لبنان الإقليمي.
لهذا، فإنّ ما يجري اليوم في لبنان ليس تسوية، بل محاولة لمنع الإستفراد به، وإعادة توزيع مؤقتة للتوتّرات تحت سقف منخفض. والدعم الفرنسي والسعودي للرئيس عون، ولا سيما زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان الأخيرة إلى بيروت، لم يغيّرا جوهر الصراع، لكنهما نجحا في تحويله من صدام مفتوح، إلى إدارة محكومة بالضبط السياسي. ويبقى السؤال: هل تستطيع هذه التهدئة أن تتحوّل إلى استقرار دائم… أم أنّها مجرد استراحة بين موجتين من التصعيد؟
