JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

خط المقالة
بدا اليوم القتاليّ في جنوب لبنان يوم تحويل "الصدمة الجوّيّة" الّتي صنعتها غارات 8 نيسان إلى محاولة ترجمتها برّيًّا، لا يوم اختراقٍ واسعٍ جديد. فإسرائيل انتقلت من كثافة الضربات إلى تثبيت شريطٍ متقدّمٍ بالنّار والهدم والتمشيط، فيما عاد "حزب الله" إلى فتح النار صاروخيًّا وميدانيًّا، وخصوصًا في بنت جبيل والطيبة، بما منع تحويل التقدّم الإسرائيليّ إلى مشهدٍ هادئٍ أو منخفض الكلفة. وبذلك، يمكن القول إنّ خلاصة اليوم ليست "حسمًا"، بل شدّ حبالٍ على خطٍّ متقدّمٍ تحاول إسرائيل ترسيخه، ويحاول الحزب إبقاءه خطّ اشتباكٍ مفتوحًا. 

سياسيًّا، ثبّت بنيامين نتنياهو اليوم المعادلة نفسها، لا وقف للنّار مع لبنان، ولا ربط للجبهة اللبنانيّة بالهدنة الأميركيّة الإيرانيّة، وقال إنّ إسرائيل ستواصل ضرب "حزب الله" "بقوّةٍ، ودقّةٍ، وتصميم". وهذا هو المفتاح السياسيّ الأوضح لفهم ما يجري ميدانيًّا، فتل أبيب تدير جبهة لبنان على أنّها جبهةٌ مستقلّةٌ عن تفاهم التهدئة مع طهران، لا ملحقٌ به.

وفي موازاة ذلك، برز اليوم تصريحٌ إسرائيليٌّ عسكريٌّ أقلّ صخبًا وأكثر دلالة، نقلته "رويترز"، يقول إنّ إسرائيل لا تعتبر الليطاني "حدًّا جديدًا" لها، لكنّها تريد "منطقةً عازلةً" منزوعة السّكّان تمسك بقوّاتٍ برّيّة، مع تنفيذ غاراتٍ وعمليّاتٍ عند الحاجة. معنى هذا الكلام أنّ النقاش داخل إسرائيل لم يعد بين "هل سيكون هناك حزامٌ؟"، بل بين شكل الحزام وعمقه وطريقة إدارته، احتلالٌ دائمٌ أم سيطرةٌ ناريّةٌ ومناورةٌ مستمرّة.

خريطة التوغّل اليوم

إذا أردنا رسم "خريطة اليوم"، فالأصحّ القول إنّ آخر خطٍّ مؤكّدٍ علنًا حتّى الآن يضع إسرائيل على عمقٍ يتراوح، بحسب قطاع القتال، بين 5 و9 كيلومترات داخل الجنوب، مع وصولٍ ساحليٍّ إلى البيّاضة في الغرب، واقترابٍ من بنت جبيل في الوسط، وسيطرةٍ على الخيام في الشرق. لكنّ الجديد اليوم ليس قفزةً موثّقةً أبعد من هذا الخطّ، بقدر ما هو محاولة تحويله إلى خطٍّ ثابتٍ بالنّار والهدم والتمشيط، ضمن تصوّرٍ إسرائيليٍّ أوسع تحدّثت عنه "رويترز"، يقوم على "تنظيف" منطقةٍ بعمق 5 إلى 10 كيلومترات، تمهيدًا لحزامٍ أمنيٍّ أوسع..

المحور الغربيّ

في الغرب، آخر ما هو مثبتٌ علنًا أنّ التوغّل الساحليّ بلغ البيّاضة، على عمقٍ قارب 9 كيلومترات، مع تموضع نقاطٍ تشرف على المسار الساحليّ جنوب صور. لكنّ صورة 9 نيسان هنا لم تظهر تقدّمًا برّيًّا موثّقًا جديدًا بقدر ما أظهرت "تثبيتًا بالنّار"، فالغارات طالت العبّاسيّة قرب صور، وسقط فيها سبعة ضحايا، كما استهدف جسر القاسميّة، وهو آخر جسرٍ يربط ضفّتي الليطاني في منطقة صور، وتعرّض للضربات بين الأربعاء والخميس، ما يعني أنّ إسرائيل تكمل في هذا القطاع سياسة قطع الحركة والربط اللوجستيّ أكثر ممّا تعلن اندفاعةً ساحليّةً جديدةً واضحة..

في المحور الغربيّ، ينبغي أن تُقرأ شمع بوصفها عقدةَ التوغُّل الساحليّ، لا مجرّد اسمٍ على هامش الخريطة. فالتقارير الّتي راكمت صورةَ الأيام الماضية كانت قد وضعت الاندفاعة الإسرائيليّة الساحليّة في خطّ البيّاضة، شمع، مع كشف ساحل صور بالنّار، بينما أظهرت وقائع 9 نيسان أنّ شمع ما زالت داخل الحيّز العملانيّ الحسّاس لهذا المحور، بعدما تعرّضت قافلةٌ لوجستيّةٌ إيطاليّةٌ تابعةٌ لـ"اليونيفيل" كانت خارجةً من شمع نحو بيروت لطلقاتٍ تحذيريّةٍ إسرائيليّة بعد نحو كيلومترين فقط من انطلاقها. هذا لا يثبت اندفاعةً جديدةً داخل شمع نفسها اليوم، لكنّه يؤكّد أنّها ما زالت ضمن حزام السيطرة والضغط الإسرائيليَّين على الساحل الجنوبيّ. 

وهذا يجعل المحور الغربيّ، اليوم، محور سيطرةٍ ناريّةٍ على الشاطئ والطرقات والجسور، لا محور اقتحامٍ سريعٍ نحو صور. بعبارةٍ أوضح، إسرائيل أمسكت الجيب الغربيّ الّذي بلغته، لكنّ ما رشح اليوم لا يكفي للقول إنّها حوّلته إلى اندفاعةٍ جديدةٍ شمالًا.

المحور الأوسط

المحور الأوسط هو قلب اليوم القتاليّ بلا منازع. فهنا تقول إسرائيل إنّها على وشك "السيطرة العملياتيّة" على بنت جبيل، وهنا أيضًا أعلن "حزب الله" عن "اشتباكاتٍ مباشرة" مع الجنود الإسرائيليّين في وسط المدينة، وفي محيط السّوق تحديدًا، مع قصف مواقع إسرائيليّةٍ حول البلدة بالصواريخ والمدفعيّة. هذه المفارقة بالذات هي خلاصة الوسط، إسرائيل تتحدّث عن اقتراب السيطرة، والحزب يظهر أنّ الاقتحام ما زال يقابل بقتالٍ قريبٍ داخل النسيج العمرانيّ نفسه..

ولذلك فإنّ "السيطرة العملياتيّة" هنا لا تعني، حتّى الآن، سقوط بنت جبيل سقوطًا نهائيًّا أو هدوء الجبهة، بل تعني أنّ الجيش الإسرائيليّ يعتقد أنّه بات قادرًا على إدارة النار والحركة على مداخل البلدة وأطرافها وأجزاءٍ من داخلها، من دون أن يكون قد أنهى فعل المقاومة فيها. يؤكّد ذلك استمرار القصف على المدينة والقرى المحيطة، من الجميجمة والغندوريّة وصفد البطيخ وكفرا ودير أنطار ليلًا، إلى حاريص وتبنين وبراشيت بعد الظهر، فضلًا عن تدمير مبنى "بنك عوده" في سوق بنت جبيل، بما يكشف أنّ الوسط ليس ساحة تثبيتٍ فقط، بل ساحة اقتحامٍ قيد الاختبار الدمويّ..

أمّا الميدان الأوسط، فقد ربطه الجيش الإسرائيليّ اليوم مباشرةً بالخطاب السياسيّ، إذ نقلت "جيروزالم بوست" أنّ الفرقة 98 باتت "على وشك" فرض "سيطرةٍ عملياتيّة" على بنت جبيل، مع تقديراتٍ إسرائيليّةٍ بوجود "عدّة عشرات" من مقاتلي "حزب الله" داخل البلدة، بينهم عناصر من "قوّة الرضوان". وبحلول بعد الظهر، تحدّث الجيش الإسرائيليّ، عبر تقارير، عن 30 صاروخًا أطلقت من لبنان منذ منتصف الليل، ثمّ رفعت "جيروزالم بوست" الرقم لاحقًا إلى نحو 50 صاروخًا منذ صباح الخميس، قال الإسرائيليّون إنّ نحو 40 منها عبرت إلى داخل إسرائيل واعترضت الدفاعات معظمها.

المحور الشرقيّ

شرقًا، تبقى الخيام عقدة التوغّل الأكثر حساسيّة. فآخر خطٍّ موثّقٍ علنًا يضع الجيش الإسرائيليّ على عمقٍ يقارب 7 كيلومترات في هذا القطاع، مع سيطرته على الخيام، واليوم عادت البلدة نفسها إلى الواجهة عبر غارتين صباحيّتين، فيما تواصل الضغط على محيط مرجعيون، من دبّين وبلّاط، وصولًا إلى إصلاح شبكات المياه الّتي تضرّرت جراء الضربات في هذا الحزام. هذا يعني أنّ الشرق ليس فقط جبهة تماسٍّ مباشر، بل أيضًا جبهة خنق البنى التحتيّة الّتي تسمح بإقامةٍ مدنيّةٍ مستقرةٍ في العمق القريب..

لكنّ الأهمّ ميدانيًّا اليوم في الشرق هو أنّه ظلّ قطاعًا نشطًا في الاشتباك المضادّ أيضًا. فقد أعلن "حزب الله" استهداف آليّةٍ إسرائيليّةٍ في الطيبة بصاروخٍ موجّه صباحًا، ثمّ أعلن لاحقًا استهداف جرافةٍ عسكريّةٍ من طراز D9 في الطيبة نفسها بمسيّرةٍ انقضاضيّة، بالتوازي مع رشقاتٍ أخرى باتجاه مواقع وقوّاتٍ إسرائيليّةٍ في القطاع. هكذا يظهر الشرق، اليوم أيضًا، بوصفه ميدانًا يتنازع فيه الطرفان الارتفاعات والبيوت والنقاط الناريّة، لا ميدانًا حسم لمصلحة طرفٍ واحد..

اشتباكات اليوم لم تكن من نوع "تبادل القصف" فقط. في الوسط، هي قتال اقتحامٍ ومقاومةٍ داخل بلدةٍ كبرى، بالصواريخ والمدفعيّة والاشتباك القريب. وفي الشرق، هي كمائن ضدّ آليّاتٍ وجرافات، بصاروخٍ موجّه ومسيّرةٍ انقضاضيّة. أمّا إسرائيليًّا، فالموثّق اليوم وما قبله بأيامٍ قليلة يظهر مزيجًا من القوّة الجويّة، والمدفعيّة، والآليّات المدرّعة، والجرافات D9، ووحدات المظلّيّين في الفرقة 98، إلى جانب استمرار عمل الفرق 91 و36 و146 على قطاعاتٍ أخرى من الجنوب. كما أعلن الجيش الإسرائيليّ هذا الأسبوع أنّه أكمل نشره على "خطّ دفاعٍ ضدّ الصواريخ المضادّة للدروع"، وأنّ قواته عثرت على أسلحةٍ وذخائر ومواقع مضادّةٍ للدروع خلال العمليات.. لكنّ المؤكّد علنًا أنّنا لسنا أمام قوّة توغّلٍ محدودةٍ أو سريّةٍ صغيرة، بل أمام عمل فرقٍ متعدّدةٍ في الجنوب، تتقدّمها الفرقة 98 في بنت جبيل، وتساندها 91 و36 و146 في قطاعاتٍ أخرى، ضمن تصوّرٍ إسرائيليٍّ أوسع لحزامٍ متقدّمٍ بعمق 5 إلى 10 كيلومترات على الأقلّ.

إسرائيل وصلت في الغرب إلى جيبٍ ساحليٍّ ثابتٍ نسبيًّا حول البيّاضة، وفي الوسط إلى مرحلة محاولة فرض سيطرةٍ عملياتيّةٍ على بنت جبيل من دون حسمٍ كامل، وفي الشرق إلى تثبيت الخيام بوصفها رأس الارتكاز الأوضح. لكنّها، في الوقت نفسه، لم تنجح في جعل هذا التقدّم منخفض الكلفة أو هادئ الإيقاع، لأنّ "حزب الله" أبقى بنت جبيل والطيبة ومحيط مرجعيون ساحات اشتباكٍ فعّال، وأعاد اليوم فتح النار الصاروخيّة على الشمال الإسرائيليّ.

 التوصيف الدقيق للتوغّل اليوم هو ما يلي: في الغرب تثبيت تواجد بالنّار، الوسط يقاتل عليه بيتًا بيتًا، والشرق يثبّت وينازع في آنٍ واحد.

Comments
NameEmailMessage