لم يكن جنوب لبنان أمام يوم "حسمٍ" إسرائيليٍّ كامل، بل أمام يوم تثبيتٍ وتوسيعٍ مدروسٍ لخطوط التوغّل، مع محاولةٍ لتحويل التقدّمات الموضعيّة إلى مواقع قابلة للدفاع، لا إلى سيطرةٍ نهائيّةٍ ومستقرّةٍ على كامل الشريط حتى الليطاني. صورة اليوم، كما تعكسها خرائط "لوريان توداي" والتحديثات الإسرائيليّة الميدانيّة، هي غربٌ يرسّخ على الساحل، ووسطٌ يضغط فيه لتطويق بنت جبيل، وشرقٌ هو الأعمق والأكثر حساسيّةً، حيث تتواصل المعارك في الخيام ومحيط دير سريان والقنطرة، مع مؤشّراتٍ على اقترابٍ من الليطاني في هذا القطاع، لكن من دون تثبيتٍ كاملٍ يمكن الجزم به على امتداد الخطّ.
وفي المقابل، أظهر "حزب الله" أنّه ما زال يحتفظ بقدرةٍ واضحةٍ على فرض كلفةٍ ميدانيّةٍ مباشرةٍ على القوّات المتقدّمة، عبر الاشتباك القريب، والصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع، والمدفعيّة، والمسيّرات الانقضاضيّة، والصليّات الصاروخيّة على الشمال الإسرائيليّ. لذلك، فالتوصيف الأدقّ لليوم هو أنّه يوم "توسيعٍ تحت النار"، لا يوم "احتلالٍ محسوم". وهذا ما يفسّر اجتماع صورتين متوازيتين، توسّعٍ إسرائيليٍّ بطيء، واستنزافٍ ميدانيٍّ مضادٍّ لا يزال فاعلًا.
سياسيًّا وعسكريًّا، برز اليوم وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، الذي صعّد لهجته تجاه الأمين العامّ لـ"حزب الله" نعيم قاسم، وتوعّده بـ"ثمنٍ باهظٍ جدًّا" بعد تكثيف إطلاق الصواريخ خلال عيد الفصح اليهودي، وقال إنّ الردّ الإسرائيليّ آتٍ، وإنّ قاسم "لن يعيش ليراه"، بحسب ما نقلته تغطياتٌ إسرائيليّةٌ ولبنانيّةٌ اليوم. هذا هو العنوان السياسيّ الإسرائيليّ الأوضح الصادر اليوم والمرتبط مباشرةً بالميدان اللبنانيّ.
وعسكريًّا، قالت إسرائيل اليوم إنّها "حيّدت" عنصرًا من "حزب الله" في مواجهةٍ مباشرةٍ داخل الجنوب، وإنّها عثرت في المنطقة نفسها على معدّاتٍ وأسلحة، فيما أصيب جنديّان من لواء "ناحال" بجروحٍ في الاشتباك نفسه. وفي تحديثٍ آخر، اتّهم الجيش الإسرائيليّ الجيش اللبنانيّ بأنّه "فشل" في نزع سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني، ناشرًا صورًا قال إنّها لأسلحةٍ وراياتٍ ونفقٍ من دون تحديد الموقع. هذه الرسائل تظهر أنّ إسرائيل تريد، في يوم التوغّل نفسه، جمع ضغطٍ ميدانيٍّ وضغطٍ سياسيٍّ على الدولة اللبنانيّة معًا.
وفي الخلفيّة الاستراتيجيّة التي حكمت يوم 2 نيسان، استمرّ الخطاب الإسرائيليّ المنشور اليوم في تقديم العمليّات على أنّها جزءٌ من إنشاء "منطقةٍ أمنيّةٍ" حتى الليطاني، تدار بالنار والمراقبة وبوجودٍ بريٍّ في المواقع التي تعدّها إسرائيل حاكمةً. لذلك، فإنّ تصريحات اليوم لم تفتح سقفًا جديدًا بقدر ما ثبّتت هدفًا قائمًا، توسيع الحزام الأمنيّ وتكريس بقائه.
خريطة التوغّل اليوم
المؤكّد حتى مساء اليوم أنّ الجيش الإسرائيليّ وصل غربًا إلى تثبيتٍ أوضح في الناقورة الساحليّة، مع ضغطٍ متواصلٍ على البيّاضة وشمع، ووصل وسطًا إلى حركة تطويقٍ ناريٍّ ومناورةٍ حول بنت جبيل عبر القوزح ودبل ورشاف وعيناتا، ووصل شرقًا إلى القطاع الأكثر عمقًا وحساسيّةً، من الخيام ومحيطها إلى دير سريان والقنطرة، ما وصف بأنّه بلوغٌ ظاهرٌ للنهر بعد التقدّم حتى دير سريان. لكنّ ما لا يمكن تثبيته من تغطيات اليوم هو وجود سيطرةٍ إسرائيليّةٍ مكتملةٍ وثابتةٍ على كلّ ما بين الحدود والليطاني، فالصورة لا تزال صورة مواضع متقدّمةٍ متفاوتة الرسوخ، لا خطّ احتلالٍ نهائيٍّ متّصل.
وفي الغرب تحديدًا، نقلت وسائل إعلامٍ إسرائيليّةٌ، عبر مصدرٍ أمنيٍّ، أنّ أعمق نقطةٍ بلغها التوغّل صارت تقارب 14 كيلومترًا من الحدود في منطقة رأس الناقورة، لكنّ هذا يبقى ادّعاءً إسرائيليًّا لم أجد له تثبيتًا مستقلًّا بنفس الدرجة في التغطيات الدوليّة واللبنانيّة الصادرة اليوم، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه مؤشّرًا على روايةٍ إسرائيليّةٍ عن العمق، لا حقيقةً نهائيّةً محسومة.
المحور الغربيّ
في القطاع الغربيّ، تبدو الصورة أوضح من سواها. إسرائيل تعزّز مواقعها على الساحل في قضاء صور، وتسجّل تقارير عن تدمير طرقٍ ومبانٍ في الناقورة التي تعدّها تقارير اليوم منطقةً واقعةً تحت سيطرتها، فيما تستمرّ الهجمات على مواضعها في البيّاضة وشمع، وصولًا إلى قلعة شمع. وفي التحديثات، فإنّ "حزب الله" أعلن استهداف جنودٍ إسرائيليّين داخل منزلٍ في البيّاضة بمسيّرةٍ انقضاضيّة، بالتوازي مع استهداف موقعٍ عسكريٍّ في الكريوت قرب حيفا. هذا يعني أنّ الغرب هو محور التقدّم الإسرائيليّ الأوضح، لكنّه أيضًا محور المناوشة الأقرب والأكثر انتظامًا ضدّ هذا التقدّم.
المحور الشرقيّ
الشرق هو المحور الأثقل والأخطر.أُفيد اليوم أنّ القتال استؤنف خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية في الخيام، وإنّ إسرائيل سيطرت جزئيًّا على البلدة بعد أسابيع من المعارك، لكنّ مواجهاتٍ عنيفةً استمرّت، ولا سيّما في الأحياء الشماليّة حيث شنّ "حزب الله" هجومًا مضادًّا. وفي الوقت نفسه، تحدّثت التقارير عن تثبيتٍ إسرائيليٍّ في قضاء مرجعيون، وعن تقدّمٍ حتى دير سريان، مع مؤشّراتٍ إلى بلوغ النهر ومواصلة أعمال الهدم، وإلى حركةٍ أعمق في وادي الحجير. هذا يجعل الشرق اليوم مركز محاولة الربط بين التوغّل الحدوديّ وبين الضغط باتجاه العمق الرابط للجنوب بالبقاع الغربيّ.

