كتبت سلوى بعلبكي في" النهار": يشكل لبنان تاريخياً نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ليس فقط بحكم دوره التجاري، بل لنتيجة موقعه الجغرافي المميز على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. هذا الموقع يضعه على تقاطع مسارات حيوية تربط الخليج العربي بأوروبا، ويمتد طبيعياً نحو عمق المشرق عبر سوريا والعراق، وهو ما يعطيه دوراً يتجاوز حدوده الجغرافية.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع اعتماد دول الخليج على الواردات الآتية من شرق آسيا وأوروبا، والتي تمر بمعظمها عبر مضيق هرمز. فالمضيق لا يشكل فقط شرياناً رئيسياً لصادرات النفط، بل أيضاً بوابة أساسية لدخول ما يصل إلى 80-85% من حاجات دول الخليج من السلع الأساسية، من الغذاء إلى البضائع الاستهلاكية. إلا أن تصاعد التوترات الإقليمية وما يرافقها من مخاطر أمنية كشفت هشاشة هذا الاعتماد، إذ يؤدي أي تعطل في المضيق إلى اضطرابات واسعة في حركة السفن وسلاسل الإمداد، وانعكاسات مباشرة على الأسواق الخليجية. في هذا السياق، يبرز تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الإقليمي يقوم على الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية إلى تعزيز الشبكات البرية، وإحياء ممرات بديلة لنقل البضائع. وهذا ما يطرحه خبير اقتصادات النفط والغاز فادي جواد من خلال الدعوة إلى إنشاء "جسر بري طارئ" ينطلق من المرافئ اللبنانية لتأمين حاجات دول مجلس التعاون الخليجي. ويوضح أن "موانئ مثل جدة وصلالة وصحار وخورفكان، على رغم تطورها وتحولها إلى مراكز لوجيستية رئيسية، لم تعد قادرة على تلبية كل حاجات المنطقة بمفردها".
ويبرز لبنان مرشحاً محتملاً للاضطلاع بدور لوجيستي متجدد، شرط توافر الاستقرار السياسي والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية فعلية. وإذ يدعو جواد إلى "تحويل مسار السفن العالقة في المنطقة نحو المرافئ اللبنانية، تمهيداً لإعادة توزيع حمولتها براً"، يوضح أن "سلاسل الإمداد العالمية تشهد اضطرابات ملحوظة، مع تراجع كبير في حركة السفن عبر مضيق هرمز في بعض الفترات، وهو ما عجل في انتقال مركز النقل اللوجيستي نحو المسارات البرية". المدير العام للنقل البري والبحري الدكتور أحمد تامر يرحب بالاقتراح، خصوصاً أن مرافئ لبنان جاهزة لتلقف المبادرة، مؤكداً أن "دول الخليج تستعين حالياً بالمرافئ الأردنية والتركية والسورية، فيما يستعين العراق بمرفأ بيروت لنقل البضائع إليه براً عبر الأردن".
أما بالنسبة إلى السعودية ودول الخليج "فالسعودية لا تسمح بمرور الشاحنات والبضائع الآتية من لبنان عبر أراضيها سواء كانت ترانزيت أو غيره، على خلفية اكتشاف المخدرات في فترات سابقة، وتالياً المطلوب حالياً رفع الحظر، وهو ما كنا نعمل عليه في فترة ما قبل الحرب". ويؤكد أن "المملكة متعاونة جداً وتحرص على مصلحة لبنان وتقف إلى جانبه دائماً"، يكشف أنه "كان يُفترض أن تدعو رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى السعودية لتوقيع اتفاقات نقل مشتركة، خصوصاً بعدما تم تركيب أجهزة السكانر المتطورة في مرفأ بيروت".
ويشار في هذا السياق إلى أن قطاع النقل اللبناني يضم نحو 5000 شاحنة جاهزة للعمل ضمن هذا المسار، مع إمكان انضمام شاحنات عربية وخليجية، بما يتيح تشكيل أسطول بري واسع قادر على الاستجابة السريعة. توازياً، يحذر جواد من "المخاطر المحتملة التي قد تطال ممرات بحرية أخرى مثل باب المندب، الذي تمر عبره نحو 15% من التجارة العالمية"، مشيراً إلى أن "أي تعطيل إضافي فيه سيزيد تعقيد الأزمة ويعزز الحاجة إلى بدائل برية أكثر مرونة".