JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

الحياة تفارق كفركلا الحدودية: 85% من أبنيتها حُطام

خط المقالة

في موقف للسيارات تعمه النفايات قرب ساحل بيروت على البحر الأبيض المتوسط، علق حسن يحيى لافتة من الورق المقوى على عمود إشارة مرور إلى جانب خيمة باتت تمثل منزله. وكتب على اللافتة بخط دقيق: "كفركلا ترحب بكم".

وأعادت اللافتة المهترئة إلى الأذهان لوحة إرشادية كانت عند مدخل قرية كفركلا، إحدى القرى الحدودية العريقة في جنوب لبنان والتي أصبحت واحدة من أكثر من عشر قرى سوّتها موجات القصف الإسرائيلي بالأرض تدريجياً على مدى عامين ونصف العام، حسبما نقلت وكالة "رويترز".

ومع توغل القوات الإسرائيلية وتنفيذها عمليات تفجير منظمة واستخدام الجرافات، تتلاشى القرى فعلياً، وتتحول من مناطق كانت نابضة بالحياة إلى مساحات قاحلة خالية، وكأن الحياة قد غادرتها تماماً. ووقف يحيى، شأنه شأن عشرات الآلاف من أبناء الجنوب، عاجزاً أمام تحول أراضي أجداده إلى منطقة عازلة تعمل إسرائيل على إفراغها بالكامل لتأمين حدودها.

وفي لبنان، تحظى القرى بمكانة ثقافية عميقة، حيث تمثل جذور العائلات وروابطها، ويحافظ أبناؤها، سواء في الداخل أو الاغتراب، على صلتهم بها من خلال المنازل والعلاقات الاجتماعية التي تتجدد في مناسبات كالأعراس والأعياد ومواسم الحصاد. ويكاد كل لبناني يعرف قريته الأصلية، حتى وإن غادرها منذ أجيال. وأدى اختفاء هذه القرى إلى تشريد مئات الآلاف من السكان.

وقال يحيى (58 عاماً)، وهو يجلس على كرسي بلاستيكي داخل خيمته بينما يعمل مولد كهربائي خلفه: "نحن كالسمك، إذا خرج من الماء، مات. لا يمكننا أن نترك أرضنا، ولو كان الثمن حياتنا".

وقالت إسرائيل أن كفركلا وغيرها من القرى المدمرة كانت تستخدم كمواقع لـ"حزب الله" الذي تخوض معه مواجهات منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وقال الجيش الإسرائيلي أنه صنف كفركلا "قرية رئيسية تابعة لحزب الله"، مضيفاً أنها كانت تضم "بنية تحتية عسكرية واسعة النطاق"، بعضها داخل منازل ومدارس. كما ذكر أن قواته ضبطت أسلحة تعادل حمولة 90 شاحنة خلال العام 2024، وصادرت المزيد هذا العام، مؤكداً أنه سعى إلى تقليص الأضرار التي تلحق بالمدنيين. ولم تتمكن "رويترز" من التحقق بشكل مستقل من تلك التصريحات.

وأدت أحدث جولات القتال إلى نزوح نحو مليون و200 ألف لبناني، أي ما يقارب خُمس السكان، بعدما أطلق "حزب الله" صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لإيران خلال تعرضها لهجمات أميركية إسرائيلية. ولتصوير ما آل إليه حال القرى المدمرة، تحدثت "رويترز" إلى عدد من سكان كفركلا السابقين، الذين تفرقوا في أنحاء البلاد، كما استعانت بصور أقمار اصطناعية ومحتوى منشور في مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعود أقدم الإشارات إلى كفركلا إلى القرن العاشر للميلاد، ثم ظهرت لاحقاً في سجلات عثمانية وأخرى تعود إلى فترة الانتداب البريطاني. وقبل اندلاع الحرب العام 2023، كان عدد سكان القرية نحو 5500 نسمة، وبحسب رئيس بلديتها حسن شيت، كانت الزراعة النشاط الرئيسي فيها، حيث مكن مناخها من إنتاج محاصيل متنوعة، من القمح والعنب إلى الزيتون والبندورة والبقدونس والتبغ.

وأشار شيت إلى أن القرية اشتهرت بزيت الزيتون الذي كان يباع في أنحاء لبنان ويجذب مشترين من مناطق بعيدة. وكانت الحياة اليومية في كفركلا تدور حول المخابز والمقاهي والمطاعم، حيث يجتمع السكان للحديث وتبادل الأخبار. وكانت الأعراس تستمر أياماً، فيما كان السكان يحيون ذكرى عاشوراء بمراسم تقليدية تستعيد واقعة كربلاء.

وأوضح شيت أن القرية شهدت ازدهاراً نسبياً خلال العقدين اللذين سبقا حرب 2023، مع تحسن الخدمات وازدياد التعليم وتدفق التحويلات المالية من المغتربين. وبنى أبناء شقيق يحيى، المقيمون في السويد، منزلاً قرب "بوابة فاطمة"، وهو معبر حدودي سابق تحول إلى مقصد محلي. أما يحيى فشيد منزلاً من ثلاثة طوابق، كان يخطط لاستخدامه مكاناً للعيش واللقاء مع الأصدقاء.

وبعد أيام من اندلاع الحرب في غزة، بدأ "حزب الله" إطلاق صواريخ نحو إسرائيل، وردت الأخيرة بحملة عسكرية واسعة، أدت إلى إفراغ القرية تقريباً مطلع العام 2024. وفي الأشهر اللاحقة، أعلنت إسرائيل تدمير منشآت تحت الأرض ومصادرة أسلحة قالت إنها تابعة لـ"حزب الله". في المقابل، نفى الحزب استخدام مناطق سكنية لأغراض عسكرية، وندد بعمليات هدم القرى.

وقبل الحرب، عرض "حزب الله" على صحافيين تدريبات تحاكي هجوماً على شمال إسرائيل، وأشار إلى امتلاكه شبكة أنفاق واسعة، بينها نفق يمتد من كفركلا إلى داخل الأراضي الإسرائيلية. ومع تصاعد القتال، نزح سكان القرية إلى مناطق مختلفة. فانتقل يحيى إلى بيروت، بينما لجأ صديقه خضر حمود إلى منطقة قريبة من الحدود السورية، وانتقل جميل فواز، صاحب متجر بقالة، إلى مدرسة في صيدا تؤوي نازحين. 

وقال فواز: "تحول كل شيء إلى رماد"، فيما أدى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى عودة جزئية لبعض السكان، لكن شيت قال أن نحو 85% من أبنية القرية تدمرت، بما في ذلك منزل عائلة يحيى. وحاول بعض الأهالي إقامة مساكن مؤقتة قرب الأنقاض، على أمل إعادة الإعمار. وفي شباط/فبراير الماضي، زار رئيس الوزراء نواف سلام القرية ووعد ببدء إعادة البناء قريباً، لكن القتال تجدد بعد ذلك بفترة قصيرة.

وفي مقاطع مصورة نشرت في آذار/مارس، ظهرت جرافات تعمل في أطراف البلدة. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي أن أكثر من 90% من منازل كفركلا دُمّرت بحلول أواخر نيسان/أبريل. ومع تراجع الأمل في العودة، يعتمد السكان على التواصل الهاتفي للحفاظ على روابطهم، حيث تقدم التعازي عبر الهاتف، وتقام حفلات الزواج، إن حدثت، من دون احتفالات.

ورغم تأكيد إسرائيل أن المنطقة العازلة، مؤقتة، يخشى كثير من اللبنانيين أن تصبح دائمة، مستشهدين بسوابق مثل ضم هضبة الجولان السورية العام 1981 واستمرار الاستيطان في الضفة الغربية. 

وفي نيسان/أبريل، قاد خضر حمود سيارته من شمال البلاد إلى بيروت لزيارة يحيى. وجلسا معاً يستعيدان ذكريات الماضي. وقال حمود: "لا يمكن تعويض البيوت ولا الأرزاق التي فقدناها. كل ما في القرية يحمل معنى ورمزاً، من منازل الآباء والأجداد إلى تفاصيل الحياة اليومية". وأكد شيت ذلك: "هناك رابط روحي ونفسي عميق بهذه الأرض، وهو جزء من جذورنا. ربما يستغرق الأمر وقتاً، لكننا سنعود ونعيد البناء. هذا ليس مجرد كلام، بل وعد بالعودة".

Kommentare
NameE-MailNachricht