نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية تقريراً تحدثت فيه عما أسمته "عودة الجدل حول المنطقة الأمنية في لبنان"، معتبرة أنّه "كان يُفترض بما سُمّي المنطقة الأمنية في جنوب لبنان أن يشكّل درعًا يحمي بلدات شمال إسرائيل. لكن خلال خمسة عشر عامًا، تحوّل إلى فخ قاتل". ومن خلال التقرير يتحدث باحثون عن نشأة فكرة المنطقة الأمنية، ومسار فشلها، ولماذا يخشى البعض اليوم أن تعيد إسرائيل ارتكاب الخطأ ذاته.
وتقول الدكتورة راحيل مادبيس بن-دور، مؤسسة حركة "الأمهات الأربع" التي قادت إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، إنّها "لا تكاد تصدّق ما يجري"، فبعد نحو ثلاثين عامًا على تأسيسها الحركة، تعود اليوم أصوات تنادي بالعودة إلى هناك، هذه المرة تحت شعار "سننهي المهمة مرة واحدة وإلى الأبد". وفي عام 1997، كانت بن-دور أمًّا لجندي عندما أسست الحركة الاحتجاجية. واليوم، يقترب حفيدها الأكبر من سنّ التجنيد. تقول: "أنا جالسة إلى الطاولة نفسها التي كنت أجلس إليها عام 1997، وحولي مجموعة جديدة تتشكّل من جديد، تخطط لرفع صوتها ضد جولة أخرى من الدماء العبثية".
ومنذ نهاية حرب لبنان الأولى وحتى الانسحاب عام 2000، قُتل نحو 700 جندي إسرائيلي في لبنان، بينهم قرابة 400 بعد إقامة "المنطقة الأمنية".
من جهته، يقول الصحافي حاييم هار-زهاف: "والدي اجتاح جنوب لبنان، وأنا خدمت هناك، والآن أصدقاء ابنتي موجودون هناك. هذا جنون. هل نسيتم ما هو لبنان؟ هل نسيتم مقبرة الجنود؟ طاحونة اللحم التي كانت القوافل تمرّ بها؟ صفارات الإنذار؟ ولأي غاية؟ الحل لن يكون عسكريًا أبدًا".
والتحذيرات ذاتها يردّدها المقدم احتياط يفتاح غاي، الذي خدم في لبنان لسنوات طويلة: "إذا أعدنا إقامة المنطقة الأمنية، أستطيع أن أعد بأننا سنعود إلى الوضع نفسه، لكن مع فارق واحد: أسلحة المقاتلين اليوم أكثر تطورًا، وسيكون بمقدورهم إيقاع خسائر يومية".
ويضيف منتقدًا تسمية الحرب الحالية: "يخيفني أننا أصبحنا أسدًا يزمجر في الشرق الأوسط، قادرًا على الضرب في كل الاتجاهات. كلما ازداد إغراء استخدام القوة، تراجع استخدام العقل".
"فيتنامنا الصغيرة"
ويتابع التقرير: "في حزيران 1982، أطلق الجيش الإسرائيلي حرب لبنان الأولى تحت اسم عملية سلامة الجليل، التي قُدّمت كعملية محدودة، لكنها وصلت إلى بيروت وأدخلت إسرائيل في مستنقع محاولة إعادة تشكيل النظام اللبناني. انتهت العملية بخروج منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات، بعد سقوط 655 جنديًا إسرائيليًا. في عام 1985، أعاد الجيش انتشاره في المنطقة الأمنية جنوب لبنان، الممتدة من البحر غربًا إلى جبل الشيخ شرقًا، بطول نحو 80 كيلومترًا وعمق يتراوح بين 5 و20 كيلومترًا، مع إقامة مواقع عسكرية ودعم جيش لبنان الجنوبي كميليشيا محلية".
ويضيف: "منذ البداية، حذّر بعض المحللين من خطورة التورّط. فقد وُصفت الفكرة بأنها "خاطئة في جوهرها"، وأنها دليل على فقدان البوصلة الاستراتيجية.
يقول غاي: "ما فعلناه هناك كان حماقة مطلقة. منحنا حزب الله فرصة إدارة الاحتكاك مع قوة احتلال على أرضه، ما أتاح له إيذاءنا وتقديم نفسه كحركة تحرير. عندما تتمسك بمنطقة أمنية لمواجهة حرب عصابات، فإنك تخلق نقاط ضعف عديدة، وهذا بالضبط ما تبحث عنه هذه التنظيمات".
وبحسب التقرير: "في سنواتها الأولى، بدا أن "المنطقة الأمنية" تحقق بعض أهدافها، مع تراجع الهجمات الصاروخية والتسللات. لكن في التسعينيات، ومع صعود حزب الله بدعم إيراني، تغيّر الواقع جذريًا. فإلى جانب استهداف القوات داخل المنطقة، بدأ الحزب إطلاق صواريخ على بلدات الشمال، ما وضع إسرائيل أمام تحدٍّ مزدوج".
منطقة تحوّلت إلى عبء
ويتابع التقرير: "تدريجيًا، تحوّلت المنطقة الأمنية من أداة دفاع إلى عبء ثقيل. عمليات مثل "تصفية الحساب" (1993) و"عناقيد الغضب" (1996) كشفت أن الواقع تغيّر، وأن المنطقة لم تعد تحقق أهدافها. وفي عام 1997، أدت سلسلة كوارث عسكرية – أبرزها كارثة المروحيات – إلى تآكل صبر الرأي العام، وبدء العدّ التنازلي للانسحاب. وكتب أحد المعلقين آنذاك أن لبنان أصبح "لعنة تلاحقنا"، فيما شُبّهت التجربة بـ"فيتنام إسرائيل الصغيرة"، حيث تحوّلت فكرة بسيطة إلى "وحش انقلب على صانعيه". وفي عام 2000، نفّذ الجيش الإسرائيلي انسحابًا أحاديًا من لبنان، فانهارت "المنطقة الأمنية". وكتب أحد المعلقين آنذاك: "لقد كانت فخًا للموت".
دروس لم تُستوعب؟
ويتابع التقرير: "رغم الانسحاب، لم ينتهِ الصراع. فقد تواصلت المواجهات، وصولًا إلى حرب لبنان الثانية عام 2006، التي وُصفت بأنها من أكثر الحروب فشلًا في تاريخ إسرائيل. ومنذ عام 2023، عاد التوتر إلى الواجهة، مع تصاعد المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، وصولًا إلى تجدد الدعوات لإعادة احتلال مناطق في لبنان. ويحذّر هار-زهاف: "كل جندي لم يُقتل هناك منذ الانسحاب يعني عائلة لم تُدمّر. من يريد العودة إلى لبنان يستند إلى فرضيات خاطئة، وسينتهي به الأمر إلى خلق أهداف جديدة لحزب الله".
