كنت قد كتبت هنا مبكراً جداً محذراً من خطر تحول جنوب لبنان إلى شمال غزة، وذلك بعد إعلان اسرائيل عن غزة كجبهة قتال ثانوية والانتقال شمالاً إلى لبنان، في خطوة بدت ذات بعد استراتيجي يتعلق بالوصول إلى إيران نفسها فيما بعد. والآن تستغل الدولة العبرية انخراط حزب بالله إلى جانب طهران بمواجهة الحرب الأميركية-الإسرائيلية لتوسيع أجندتها تجاه البلد الصغير والجميل والمقاوم دوماً على طريقته، بفرض التهجير على أهالي الجنوب والضاحية والتوغل البري واحتلال نقاط جديدة. فيما يبدو الهدف أبعد ويتعلق باستنساخ النموذج الغزاوي في لبنان لجهة فرض ما يشبه ممر نتساريم ثم خط أصفر، وتحديث جديد للقرار 1701 المُحدّث أصلاً في اتفاق وقف اطلاق النار في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بعدما كان قد صدر قبل ذلك بعشرين عام تقريباً في أعقاب حرب تموز/ يوليو 2006.
إذن كانت معالم الطريق واضحة، ومنذ الأيام الأولى لحرب غزة، مع رفض توجيه ضربة عسكرية استباقية إلى حزب الله لمنعه من الانخراط الجدي بالحرب، كما كان هذا أحد أسباب انضمام الجنرالين غادي إيزنكوت وبيني غانتس إلى حكومة بنيامين نتنياهو، وتشكيل "مجلس الحرب" بتنسيق تام مع إدارة جو بايدن، وبعد الانتهاء عملياً من الحرب واستنفاذ الخيار العسكري مع تدمير واحتلال مدينة رفح بمعبرها ومحورها "فيلادلفيا"، أعلنت تل أبيب عن غزة كجبهة قتال ثانوية في آب/ أغسطس 2024، واتجهت شمالاً إلى لبنان بهدف توجيه ضربة قاصمة قوية لحزب الله وإضعافه وتحييده عسكرياً لفتح الطريق نحو إيران، باعتبارها الهدف الاستراتيجي "الحلم والجائزة الكبرى" لنتنياهو في سياق تهربه من القضية الفلسطينية وأزماته الداخلية وبثّ أجواء التوتر والعسكرة بالمنطقة، بينما لم تهتم الدولة العبرية حينها بنظام بشار الأسد مع نجاحها بتحييده وإخافته إثر التهديد بإسقاطه في حال الانضمام الجدي إلى جبهة المساندة وتطبيق وحدة الساحات، بما فيها الساحة المركزية "سوريا" لمنع الاستفراد بغزة ونكبتها وإبادتها.
أثمرت جهود إدارة بايدن عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان في 2024، بعد جولتي قتال تمهيديتين بين الدولة العبرية وإيران -نيسان/ أبريل وتشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، واستند الاتفاق إلى تحديث القرار 1701، والمراهنة على العمل السياسي لتنفيذه وتسهيل فرض لبنان الجديد سيطرته على كامل أراضيه وحصر السلاح بالسلطة الشرعية، كما جاء في خطاب القسم للرئيس جوزاف عون، والبيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام.
فهمت ادارة بايدن استنفاذ الخيار العسكري في لبنان كما غزة وضرورة الانتقال إلى العمل السياسي لتطبيق اتفاق وقف النار والـ 1701 محدثاً، وهي اللغة التي لا يفهمها ولا يستوعبها نتنياهو المستلب للقوة والخيار العسكري، وأدى ذلك ضمن أسباب أخرى إلى تعثر تطبيق الاتفاق مع رفض حزب الله مواجهة الواقع الجديد واستيعاب حقيقة أن المرحلة كلها قد طُويت، علماً أنها كانت طويت فعلاً في العام 2000 إثر الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من لبنان، بعد تاريخ وسيرورة عمل مقاوم وطويل فلسطيني ولبناني التحق حزب الله به في ثلثه الأخير فقط.
الآن تقول اسرائيل علناً إنها تسعى للقضاء على ما تبقى من قدرات الحزب، وليس ذلك فحسب بل تحديث الـ1701 وفرض صيغة تشبه اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في غزة، الذى تم التوصل إليه في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وبدا متناغماً أكثر مع مقاربة إدارة دونالد ترامب الفظّة والمتغطرسة والمتناقضة تماماً لمقاربه سلفه جو بايدن.
بتفصيل أكثر استغل نتنياهو انخراط ترامب معه في الحرب غير المبررة وغير الشرعية بالطبع ضد إيران، والتعاطي مع الجبهة اللبنانية كثانوية مقابل الجبهة الإيرانية، تماماً كما كانت غزة تجاه لبنان نفسه قبل عامين تقريباً.
ومن هذه الزاوية تحديداً يجب فهم السياسة الإسرائيلية لجهة تطبيق نفس النموذج الغزاوي المتمثل بتهجير أهل الجنوب والضاحية وتحويلها إلى أرض مدمرة ومحروقة، خصوصاً في الجنوب، وإعادته سنوات بل عقود إلى الوراء، وتصعيب عملية إعادة الاعمار وربطها بأجندة سياسية والاتفاق الجديد الذي سيشبه بالمضمون اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بمراحله الثلاث.
وعليه تسعى تل أبيب ميدانياً إلى فرض ما يشبه ممر نتساريم ولو بالنار، سيكون حتى نهر الليطاني لفصل الجنوب عن باقي البلاد، أما الخط الأصفر فسيكون غالباً في منتصف المسافة تقريباً بين النهر والحدود مع فلسطين المحتلة.
ويجري التعاطي مع الضاحية وبعلبك والبقاع الغربي مجازاً، كما كان الحال مع شمال غزة لجهة التهجير والاراض المحروقة وتصعيب العودة، بل ووضع شروط عليها مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف النار الجديد أو 1701 بعد تحديثه مرة أخرى.
ستعمد تل أبيب بعد ذلك وبمجرد وقف الحرب، للانكفاء إلى الخط الاصفر الذى سيكون أيضاً بمثابة نقطة دفاع متقدم وانطلاق للهجوم حسب توصيف رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير، أما عمق الانسحاب التالي وعودة المهجرين والنازحين، فستربطها إسرائيل بعمق نزع سلاح حزب الله وتنفيذ قرار الحكومة اللبنانية بفرض سيطرتها على كامل أراضي الدولة، وحصر السلاح بالجيش والمؤسسة الأمنية الشرعية.
بحالة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله في قطاع غزة، فيُفترض أن يتم الانكفاء النهائي إلى منطقة الحدود مع فرض منطقة عازلة بعمق كيلومتر داخل القطاع باتت مدمرة ومحروقة فعلاً، علماً أنها مثلت سلّة غذاء القطاع وتقتطع سدس مساحته تقريباً، بينما يجرى الحديث لبنانياًعن منطقة مماثلة لكن بعمق 5 كيلومتر تقريباً وتشمل قرى وبلدات الحافة الأمامية.
بكل الأحوال نحن أمام إعلان رسمي متجدد عن طي المرحلة الماضية برمتها التي تم إجراء تنفس اصطناعي لها بعد العام 2000، وبتنا أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى أساليب وأدوات أخرى للحفاظ على الوطن الحبيب والجميل والمقاوم، والذي مثّل دوماً نموذجا مناقضاً للكيان الاستعماري الصهيوني في فلسطين، ولا يجب أبداً ربط مصيره بالنظام الإيراني سواء سقط أو تغير أو بقي ضعيفاً محاصراً معزولاً عن محيطه العربي والاسلامي، ما يستلزم بالضرورة رص الصفوف ورفض التطبيع أو اتفاق سلام مع إسرائيل، والسعي في المقابل إلى صيغة أمنية ما مع القرار 1701 أو بدونه، تشبه تلك التي يجرى العمل عليها سورياً تحت عنوان تحديث اتفاق "فك الاشتباك" الأمني للعام 1974.
