JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

خط المقالة

يمكن توصيف اليوم القتاليّ في الجبهة الجنوبيّة، بأنّه يوم توسيع تماسٍّ ناريٍّ وتثبيت جيوب توغّلٍ، أكثر ممّا هو يوم حسمٍ برّيٍّ كامل. فالمشهد الميدانيّ يظهر أنّ الجيش الإسرائيليّ واصل الدفع على ثلاثة محاور، شرقيٍّ وأوسط وغربيٍّ، مع محاولات تقدّمٍ إلى نقاطٍ متقدّمةٍ في العمق الجنوبيّ، لكن تحت ضغط اشتباكاتٍ مباشرةٍ، ونيرانٍ مضادّةٍ للدروع، وقصفٍ جوّيٍّ ومدفعيٍّ كثيف، ما جعل هذا التقدّم مكلفًا ومفتوحًا على الاستنزاف.

بمعنىً آخر، لم يكن يوم اليوم يوم انهيار الجبهة الجنوبيّة، ولا يوم تثبيت احتلالٍ إسرائيليٍّ مريح، بل يوم انتقال المعركة من حافّة الحدود إلى نطاقٍ أوسع من الاشتباك داخل قرى وبلداتٍ ومحاور متداخلة. وهذا ما يجعل خريطة التوغّل الحاليّة أقرب إلى أحزمة نارٍ متقدّمةٍ منها إلى خطوط سيطرةٍ نهائيّة.

توسيع الحرب تحت عنوان "المنطقة الأمنيّة"

سياسيًّا وعسكريًّا، بدا واضحًا أنّ إسرائيل تمضي في ترجمة قرارها بتوسيع العمليّات البرّيّة في جنوب لبنان، انطلاقًا من خطاب "المنطقة الأمنيّة" الّذي بات السقف الإسرائيليّ المعلن للتوغّل. فالموقف الإسرائيليّ لم يعد يتحدّث عن ردود فعلٍ موضعيّةٍ أو عمليّاتٍ محدودة، بل عن إعادة رسم شريطٍ ميدانيٍّ يمتدّ إلى ما بعد القرى الحدوديّة المباشرة.وفي هذا السياق، جاءت أوامر الإخلاء الّتي وجّهها الجيش الإسرائيليّ إلى عددٍ من القرى والبلدات في قضاءي صور والنبطيّة، لتؤكّد أنّ إسرائيل تتعامل مع الجنوب بوصفه مسرحًا مفتوحًا للتقدّم بالنار، ثمّ بالإخلاء، ثمّ بالمحاولة البرّيّة لتثبيت الوقائع. وهذه اللغة لا تعبّر فقط عن ضغطٍ عسكريّ، بل عن مشروع فصلٍ جغرافيٍّ وأمنيٍّ للجنوب عن عمقه اللبنانيّ.

كما عكست التصريحات الإسرائيليّة اليوم إصرارًا على تصوير التوغّل بوصفه تقدّمًا منظّمًا إلى "مواقع متقدّمة"، لكنّ الإقرار بإصاباتٍ في صفوف الجنود خلال الاشتباكات، يكشف في المقابل أنّ هذا التقدّم لا يجري في أرضٍ مفتوحة، بل في بيئة قتالٍ معقّدةٍ، تفرض على الجيش الإسرائيليّ احتكاكًا مباشرًا ومكلفًا.


إلى أين وصل التوغّل الإسرائيليّ؟

المحور الشرقيّ: الأعمق والأكثر حساسيّةً

في المحور الشرقيّ، بدا التوغّل الإسرائيليّ أكثر وضوحًا من سواه، مع تركّز القتال على خطّ الطيبة، القنطرة، دير سريان، والخيام، إضافةً إلى محيط مرجعيون والقرى المتّصلة بهذه الجبهة. هنا، لم يعد الحديث عن قصفٍ حدوديٍّ أو مناوشاتٍ من بعد، بل عن محاولة دفعٍ برّيٍّ إلى الداخل، وهدم منازل، واستهداف مواقع وتجمّعات، وسعيٍ إلى شقّ ممرٍّ قتاليٍّ يربط أكثر من نقطةٍ ميدانيّة.

تركّز القتال على خطّ الطيبة، القنطرة، دير سريان، والخيام، إضافةً إلى محيط مرجعيون والقرى المتّصلة بهذه الجبهة. 

ولا يكتمل توصيف المحور الشرقيّ من دون إدراج كفرشوبا، أي جبهة العرقوب ومزرعة حلتا وتلال كفرشوبا المحاذية لمزارع شبعا. فهذا القطاع، وإن لم يظهر اليوم بوصفه مركز الاشتباك الأشدّ مقارنةً بالقنطرة والطيبة والخيام، يبقى جزءًا بنيويًّا من التوغّل الشرقيّ الإسرائيليّ، لأنّه يشكّل الحافّة العليا لهذا المحور، ويمنح إسرائيل إمكان الضغط من خاصرة العرقوب، لا من مرجعيون وحدها. وقد أظهرت معطيات الأيام الأخيرة توغّلاتٍ واحتكاكاتٍ في مزرعة حلتا والأطراف الشرقيّة لكفرشوبا، ما يعني أنّ الخطّ الممتدّ من كفرشوبا إلى القنطرة ليس خطوطًا منفصلة، بل قوسٌ شرقيٌّ واحدٌ تحاول إسرائيل إبقاءه مفتوحًا بالنار والاقتحام الموضعيّ، فيما يسعى "حزب الله" إلى منع وصل هذا الجناح بالأجنحة الشرقيّة الأعمق.

إن لم يظهر اليوم بوصفه مركز الاشتباك الأشدّ مقارنةً بالقنطرة والطيبة والخيام، يبقى جزءًا بنيويًّا من التوغّل الشرقيّ الإسرائيليّ، لأنّه يشكّل الحافّة العليا لهذا المحور، ويمنح إسرائيل إمكان الضغط من خاصرة العرقوب، لا من مرجعيون وحدها.

المعنى العسكريّ هنا أنّ إسرائيل تريد من الشرق شقّ ممرٍّ قتاليٍّ متدرّجٍ نحو الداخل، لكنّها لا تزال تصطدم بنمط قتالٍ مضادٍّ يعتمد الكمائن والصواريخ الموجّهة واستهداف الآليّات. لذلك، نعم، وصلت القوّات الإسرائيليّة على هذا المحور إلى نقاطٍ تعدّ الأبعد اليوم، لكن من دون مؤشّراتٍ موثوقةٍ على حسمٍ نهائيٍّ أو سيطرةٍ مريحةٍ وثابتة.

خريطة المحور الشرقيّ كاملةً، كما تُظهر معطيات اليوم.

المحور الأوسط: قتال القرى المتشابكة

في الوسط، برزت دبل، بيت ليف، خلّة الجوار، عيناتا، عيترون، حداثا، حاريص، كفرا، ياطر، بنت جبيل، شقرا، وبرعشيت بوصفها حلقات تماسٍّ متداخلة. وفي هذا المحور، تبدو المعركة أقلّ وضوحًا من حيث خطوط التقدّم، لكنّها أشدّ تعقيدًا من حيث طبيعة الاشتباك. فهنا تدور المواجهة بين أطراف قرى، وداخل طرقاتٍ فرعيّة، وعند التلال والمفارق، وتحت غطاء قصفٍ واسعٍ يطاول بلدات الإسناد الخلفيّ أيضًا.

وقد تحوّلت دبل تحديدًا إلى نقطة احتكاكٍ مباشرة، بعدما صارت القوّات الإسرائيليّة على تماسٍّ مع أطرافها، فيما تواصلت الاشتباكات في محيط بيت ليف وخلّة الجوار. وتكمن أهمّيّة هذا المحور في أنّه يشكّل قلب الوصل بين الشرق والغرب، ولذلك تسعى إسرائيل إلى منع تحوّله إلى عقدة استنزافٍ تعطّل الربط بين محاورها الثلاثة.

برزت دبل، بيت ليف، خلّة الجوار، عيناتا، عيترون، حداثا، حاريص، كفرا، ياطر، بنت جبيل، شقرا، وبرعشيت بوصفها حلقات تماسٍّ متداخلة. 

المحور الغربيّ: الساحل تحت ضغط الالتفاف

في المحور الغربيّ، تصدّرت البيّاضة وشمع واجهة الاشتباك، مع امتداد النيران إلى المنصوري، قليله، الحنيّة، الرشيديّة، البرج الشماليّ، المعشوق، البصّ، ووادي جيلو. وما يميّز هذا المحور أنّه لا يقتصر على الحافّة الحدوديّة، بل يتّخذ طابع الالتفاف الساحليّ، أي محاولة التقدّم من جهة البحر والقرى الساحليّة لتخفيف الضغط عن المحاور الداخليّة وفتح نطاق حركةٍ أوسع.

وفي البيّاضة خصوصًا، بدا واضحًا أنّ الاشتباكات لم تعد مجرّد قصفٍ تمهيديّ، بل انتقلت إلى استهداف قوّاتٍ متموضعةٍ داخل المنازل وعلى أطراف البلدة. وهذا يعكس طبيعة المحور الغربيّ بوصفه جبهة تماسٍّ مباشر، لا جبهة نارٍ من بعد. كما أنّ أوامر الإخلاء الّتي طاولت بلداتٍ في قضاء صور، تكشف أنّ إسرائيل تريد توسيع ظهر هذا المحور قبل محاولة تثبيته.

في البيّاضة خصوصًا، بدا واضحًا أنّ الاشتباكات لم تعد مجرّد قصفٍ تمهيديّ، بل انتقلت إلى استهداف قوّاتٍ متموضعةٍ داخل المنازل وعلى أطراف البلدة.

اشتباكات اليوم جارت على أكثر من مستوى. أوّلًا، هناك اشتباكات تقدّمٍ برّيٍّ إسرائيليّ تقودها الدبّابات والجرافات ووحدات المشاة، تحت إسناد المدفعيّة والطيران والطائرات المسيّرة. وهذا ما ظهر بوضوحٍ في القنطرة والطيبة شرقًا، وفي دبل وبيت ليف وسطًا، وفي البيّاضة وشمع غربًا.

ثانيًا، هناك اشتباكات كسر اندفاعةٍ من جانب "حزب الله"، عبر الصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع، واستهداف الآليّات والتجمّعات العسكريّة، والكمائن الناريّة، واستهداف القوّات الّتي دخلت إلى بعض المنازل أو تموضعت عند أطراف البلدات. وهذا النمط من الاشتباك هو الّذي يجعل التقدّم الإسرائيليّ بطيئًا ومكلفًا.

ثالثًا، ثمّة قصفٌ جوّيٌّ ومدفعيٌّ واسع لم يقتصر على قرى التوغّل المباشر، بل طال أحزمة الإسناد والخلفيّة الميدانيّة، من بنت جبيل ومرجعيون إلى صور والنبطيّة. وهذا يشي بأنّ المعركة لم تعد مواجهة حدودٍ فحسب، بل محاولة تفكيك البيئة القتاليّة الّتي تتحرّك فيها المقاومة، وعزل المحاور بعضها عن بعض.

المشهد الميدانيّ اليوم يظهر استخدام إسرائيل دبّابات "ميركافا"، وجرافات "D9"، ووحدات مشاة، ومدفعيّةٍ ميدانيّة، وطيرانٍ حربيّ، وطائراتٍ مسيّرة، في إطار عمليّات دفعٍ برّيٍّ مسنودةٍ ناريًّا من الجوّ والبرّ. كما ظهر أنّها تعتمد على القصف التمهيديّ، وتدمير المباني، وفتح الطرق، وتثبيت نقاط تماسٍّ متقدّمة.

في المقابل، اعتمد "حزب الله" على الصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع، والرشقات الصاروخيّة، ونيران الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، والكمائن الميدانيّة الّتي تستهدف المشاة والآليّات والتجمّعات. أمّا على مستوى العديد، فلا تتوافر أرقامٌ دقيقةٌ وموثوقةٌ في تغطيات اليوم تحدّد حجم القوّات المتوغّلة على كلّ محور، لكنّ المؤكّد أنّنا أمام قوّاتٍ برّيّةٍ متعدّدة المحاور، تعمل في موجات تقدّمٍ متزامنة، لا أمام وحدةٍ معزولةٍ أو عمليّةٍ موضعيّةٍ محدودة.

خريطة الغارات والتوغّل البرّيّ الّتي طالت لبنان، حتّى لحظة كتابة هذا التقرير. 

خلاصة اليوم أنّ إسرائيل تحاول ترجمة قرار "المنطقة الأمنيّة" بالنار، ثمّ بالتوغّل، ثمّ بالإخلاء. لكنّ الميدان، حتّى الآن، لا يمنحها خطًّا نظيفًا وسريعًا. فكلّ محورٍ تتقدّم فيه يتحوّل إلى ساحة استنزافٍ موضعيّ، فيما يسعى "حزب الله" إلى منع ربط المحاور الثلاثة بعضها ببعض، لأنّ نجاح هذا الربط هو الشرط الإسرائيليّ لتحويل التوغّل من ضغطٍ عسكريٍّ إلى واقعٍ جغرافيٍّ جديد.

Comments
NameEmailMessage