نشر مركز "ألما" تقريرًا جديدًا اعتبر فيه أنّ طرد السفير الإيراني من لبنان يُشكّل "خطوةً أولى وضروريّة" نحو قطع العلاقات الدبلوماسيّة بين بيروت وطهران، في ظلّ تصاعد التوتّر بشأن الدّور الإيراني في السّاحة اللّبنانيّة.
وأشار التّقرير إلى أنّه في 24 آذار، جرى تداول معلومات عن استدعاء المدير العام لوزارة الخارجيّة اللّبنانيّة، عبد السّتّار عيسى، القائمَ بالأعمال في السّفارة الإيرانيّة في بيروت، وإبلاغه بسحب موافقة لبنان على تعيين السفير الإيراني المعيّن، محمّد رضا شيباني، واعتباره "غير مرغوبٍ فيه"، مع مطالبته بمغادرة البلاد. كما أُفيد عن استدعاء سفير لبنان لدى إيران إلى بيروت "لإجراء مشاورات"، على خلفيّة ما عُدَّ في لبنان انتهاكًا للأعراف الدّبلوماسيّة وقواعد السّلوك المعمول بها بين الدّول.
ولفت التّقرير إلى أنّ وزارة الخارجيّة اللّبنانيّة أصدرت لاحقًا توضيحًا رسميًّا أكّدت فيه أنّ سحب الموافقة على استمرار ولاية السفير محمّد رضا شيباني جاء استنادًا إلى المادّة 41 من اتّفاقيّة فيينا للعلاقات الدّبلوماسيّة، التي تحظر على الدّبلوماسيّين التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للدّولة المضيفة. وبحسب البيان، فإنّ السفير أدلى بتصريحات تناولت السّياسة الدّاخليّة اللّبنانيّة، وأبدى مواقف من قرارات حكوميّة، كما عقد لقاءات مع أطرافٍ لبنانيّة غير رسميّة من دون تنسيق عبر وزارة الخارجيّة.
ورأى مركز "ألما" أنّ خلفيّة القرار تتجاوز مسألة المخالفة الدّبلوماسيّة، معتبرًا أنّها ترتبط بسياقٍ أمنيٍّ وسياسيٍّ أكثر تعقيدًا. وأشار في هذا الإطار إلى تقارير إعلاميّة لبنانيّة تحدّثت عن مزاعم نُسبت إلى رئيس الحكومة اللّبنانيّة، نوّاف سلام، بشأن وجود عناصر من "فيلق القدس" في لبنان يستخدمون جوازات سفرٍ مزوّرة، ويعملون على تعزيز النّشاط الأمني والعسكري دعمًا لـ"حزب الله".
وأضاف التّقرير أنّ "الإنذار الإسرائيلي" بشأن نشاط عناصر من الحرس الثّوري الإيراني في لبنان، إلى جانب مغادرة عشرات الإيرانيّين البلاد على عجل، واستهداف شخصيّات بارزة في بيروت، "يكشف الواقع الذي شكّل خلفيّة هذا القرار"، على حدّ تعبيره.
واعتبر المركز أنّ الخطوة اللّبنانيّة يمكن قراءتها على أنّها محاولة للردّ، ولو بشكلٍ محدود، ليس فقط على ما وصفه بالانتهاكات الدّبلوماسيّة، بل أيضًا على التّدخّل الإيراني الأوسع في المؤسّستين الأمنيّة والسّياسيّة في لبنان.
وفي المقابل، أشار التّقرير إلى أنّ الحكومة اللّبنانيّة حرصت، بالتّزامن مع هذا الموقف، على التّأكيد أنّ القرار لا يعني قطع العلاقات مع إيران. وذكّر في هذا السّياق بما أعلنته وزارة الخارجيّة عن التزام لبنان الحفاظ على علاقاتٍ ودّيّة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التّدخّل، كما أشار إلى مواقف لوزير الاقتصاد اللبناني، عامر البساط، شدّد فيها على مبدأ السّيادة واحتكار الدّولة للقرار الأمني والسّلاح، من دون أن يعني ذلك، بحسب التّقرير، تجميد العلاقات مع طهران.
ورأى مركز "ألما" أنّ هذا التّباين يعكس "توترًا هيكليًّا" في العلاقات اللّبنانيّة الإيرانيّة، بين توجّهٍ داخل بعض أوساط الحكومة لتعزيز سيادة الدّولة وتقليص التّدخّل الخارجي، وبين واقعٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ يحدّ من قدرة السّلطة على المضيّ بهذا الخيار، لا سيّما في ظلّ موقع "حزب الله" باعتباره قوّةً عسكريّةً وسياسيّةً بارزةً مدعومةً من إيران.
كما توقّف التّقرير عند ردود الفعل من معسكر "حزب الله"، مشيرًا إلى تقارير قالت إنّ رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي سعى إلى التّراجع عن القرار، وطلب من السفير الإيراني عدم مغادرة البلاد، فيما انتقد "حزب الله" هذه الخطوة بشدّة، واعتبرها "غير قانونيّة" وخضوعًا لضغوط خارجيّة، محذّرًا من تداعياتها على الوحدة الدّاخليّة.
وخلص مركز "ألما" إلى أنّ هذه التّطوّرات تُظهر أنّ مراكز القوى في لبنان لا تعمل كوحدةٍ واحدة، وأنّ فاعلين رئيسيّين في النّظام السّياسي لا يزالون ينظرون إلى الحفاظ على العلاقات مع إيران بوصفه مصلحةً حيويّة. واعتبر أنّ طرد السفير، إن صحّ، يُعبّر عن صراعٍ مستمرّ حول طبيعة الدّولة اللّبنانيّة، بين منطق المؤسّسات والسّيادة، ومنطق النّفوذ الموازي المدعوم من قوى إقليميّة.
وفي ختام تقريره، دعا المركز إلى خطواتٍ أكثر تشدّدًا من جانب الدّولة اللّبنانيّة، من بينها قطع العلاقات الدّبلوماسيّة مع إيران، مكرّرًا اتّهاماته بأنّ السّفارة الإيرانيّة في بيروت تُستخدم غطاءً لأنشطةٍ مرتبطةٍ بالحرس الثّوري الإيراني. كما أورد مزاعم بشأن إصابة السفير الإيراني السّابق في 17 أيلول 2024 إثر انفجار جهاز إرسالٍ قال إنّه تابع لـ"حزب الله"، متسائلًا عن سبب حمل دبلوماسيٍّ رفيعٍ جهازًا من هذا النّوع.
واختتم مركز "ألما" تقريره بتصعيدٍ في لهجته تجاه الوجود الدّبلوماسي الإيراني في لبنان، مطلقًا مواقف حادّة بشأن دور السّفارة وطبيعة نشاطها داخل البلاد.
