إسرائيل رفعت سقفها السّياسيّ إلى حدّ إعلان البقاء جنوب الليطاني بعد انتهاء العمليّة، لكنّ الميدان نفسه أظهر صورةً أكثر تعقيدًا: تقدّمٌ موضعيّ على عدّة محاور، اشتباكاتٌ لصيقةٌ في نقاط التماس، وضرباتٌ متبادلةٌ ضدّ الدبّابات والآليّات والتجمّعات، بما يعني أنّ ما يجري ليس سيطرةً نهائيّةً متّصلةً، بل توغّلٌ متدرّجٌ تحاول تل أبيب تحويله إلى وقائع ثابتة، فيما يسعى "حزب الله" إلى إبقائه ضمن نطاق الاستنزاف والاشتباك المفتوح. وقد أقرّ الجيش الإسرائيليّ اليوم بمقتل أربعةٍ من جنوده وإصابة اثنين في القتال داخل جنوب لبنان، في مؤشّرٍ واضح إلى أنّ الكلفة البرّية ما زالت ترتفع.التّصريح الإسرائيليّ الأهمّ اليوم صدر عن وزير الأمن يسرائيل كاتس، الذي قال إنّ إسرائيل ستقيم "منطقةً أمنيّةً" داخل جنوب لبنان، وستبقي سيطرتها على كامل المنطقة حتّى نهر الليطاني بعد انتهاء القتال، بما في ذلك الجسور المتبقّية على النّهر، مع منع مئات آلاف النّازحين اللّبنانيّين من العودة إلى جنوب الليطاني إلى أن تضمن إسرائيل أمن مستوطنات الشّمال. والأخطر أنّ كاتس ربط ذلك بتدمير "جميع المنازل" في القرى الحدوديّة، على نموذج رفح وبيت حانون، وهو انتقالٌ من خطاب العمليّات المحدودة إلى خطاب إعادة تشكيل الجغرافيا الحدوديّة بالقوّة. وهذا الكلام يأتي امتدادًا لقرار بنيامين نتنياهو، قبل يومين، توسيع العمليّات جنوب لبنان ودفع "المنطقة الأمنيّة" إلى مدى أوسع، بذريعة إبعاد تهديد التسلّل ونيران الصواريخ المضادّة للدروع عن الحدود.
إلى أين وصل الجيش الإسرائيليّ؟
بحسب الخريطة المرفقة، فإنّ خطّ التوغّل الإسرائيليّ لا يزال يتوزّع على ثلاثة قطاعاتٍ واضحة، غربيّ، أوسط، وشرقيّ، مع فارقٍ أساسيّ بين "الدخول" إلى القرى أو أطرافها، وبين "تثبيت السيطرة" الكاملة عليها. الخريطة تظهر نقاط حضورٍ أو اشتباكٍ أو اختراقٍ إسرائيليّ في محيط الناقورة، والبيّاضة، وبيت ليف، وبنت جبيل، والقنطرة، ودير سريان، والخيام، مع امتداد نقاطٍ أخرى على الشريط الحدوديّ وما فوقه. وبالتوصيف الأدقّ، يمكن القول إنّ إسرائيل وصلت اليوم إلى شريطٍ متقدّمٍ يمتدّ من الناقورة والساحل الغربيّ، مرورًا بأطراف بيت ليف، وصولًا إلى القنطرة ووادي الحجير، ثمّ إلى دير سريان والخيام في القطاع الشّرقيّ، من دون أن يعني ذلك أنّها أمسكت بكلّ هذا القوس ميدانيًّا على نحوٍ مستقرّ ونهائيّ.
النقاط الحمراء تُظهر القرى الّتي سيطر عليها الجيش الإسرائيليّ.
المحور الغربيّ: من النّاقورة إلى البيّاضة وشمع
في القطاع الغربيّ، تبدو إسرائيل أقرب إلى محاولة شقّ ممرٍّ ساحليّ يضغط على قضاء صور من جهة النّاقورة، مع اندفاعٍ نحو التلال الحاكمة فوق الساحل. تقارير اليوم تشير إلى أنّ المعلومات المتوافرة ترجّح سيطرةً إسرائيليّةً على الناقورة، فيما تواصلت الاشتباكات والضربات في البيّاضة وشمع، وهما عقدتان أساسيّتان لأنّ من يمسك مرتفعاتهما يكتسب قدرة إشرافٍ ناريّ على الطريق الساحليّ بين الناقورة وصور. وفي هذا المحور بالذّات، سجّلت اليوم معارك قريبة، وقصفٌ كثيفٌ على محيط صور، كما تحدّثت تقارير ميدانيّة عن استمرار الدخان والاشتباكات في البيّاضة، بما يؤكّد أنّ التقدّم الإسرائيليّ هنا فعليّ، لكنّه لا يزال موضع قتالٍ يوميّ. كما استهدفت غارةٌ إسرائيليّةٌ طريق البياضة العامرية مما ادى لقطع الطريق وذلك بعد استهدافه حاجز الجيش في تلك المنطقة أمس، في إشارةٍ إلى توسّع هامش النّيران في العمق الغربيّ جنوب صور.
تواصلت الاشتباكات والضربات في البيّاضة وشمع، وهما عقدتان أساسيّتان لأنّ من يمسك مرتفعاتهما يكتسب قدرة إشرافٍ ناريّ على الطريق الساحليّ بين الناقورة وصور.
المحور الأوسط: تطويق بنت جبيل من قوسين
في المحور الأوسط، تبدو صورة العمليّة أقرب إلى مسعى تطويقٍ لبنت جبيل أكثر منها اقتحامًا مباشرًا لها. فالتقدّم الإسرائيليّ يجري من الغرب عبر القوزح في اتّجاه دبل ورشاف، ومن الشّرق عبر عيترون ومارون الرّأس باتّجاه عيناتا، بينما تشكّل بيت ليف عقدةً حاكمةً فوق وادي ياطر، وهو ممرٌّ مهمّ باتّجاه العمق وبنت جبيل. لذلك، فإنّ وجود الجيش الإسرائيليّ في أطراف بيت ليف، وفي المحور الممتدّ بين دبل وبيت ليف، يعني عمليًّا محاولة خنق بنت جبيل من حوافّها، لا إسقاطها بجبهةٍ واحدة. وفي هذا القطاع أيضًا، استمرّت الغارات على عيناتا، وتكرّرت الاشتباكات منذ أيّام، ما يوحي بأنّ إسرائيل تريد تثبيت نصف طوقٍ ناريّ حول المدينة الرّمزيّة قبل أيّ خطوةٍ أوسع.
شكّل التّفجير العنيف في محيط الطّيّبة تطوّرًا ميدانيًّا إضافيًّا يضيء على طبيعة التقدّم الإسرائيليّ في هذا القطاع.
المحور الشّرقيّ: من القنطرة إلى دير سريان والخيام
المحور الشّرقيّ هو الأكثر حساسيّةً والأكثر تقدّمًا نسبيًّا. فهنا تقترب إسرائيل من الليطاني أكثر من أيّ قطاعٍ آخر، بسبب ضيق المسافة بين الحدود والنّهر في قضاء مرجعيون. تقارير اليوم تشير إلى تقدّمٍ على خطّ القنطرة، ووصولٍ إلى دير سريان ودير ميماس على امتداد وادي الليطاني، مع استمرار عمليات تفجير المباني، وإلى ادّعاءٍ إسرائيليّ بالسيطرة على الخيام، مع بقاء القتال ناشطًا شمالها، في المثلّث الممتدّ نحو إبل السّقي وراشيا الفخّار. وإذا صحّ هذا التموضع، فهو يعني أنّ إسرائيل تحاول قطع الصّلة بين القطاع الشّرقيّ ووادي الحجير، وفتح ممرٍّ نحو الطيّبة وما بعدها، تمهيدًا لعزل الجبهة الشّرقيّة عن الوسطى والغربيّة، لا سيّما أنّ السيطرة النّاريّة على مجرى الليطاني في هذا القطاع تمنحها أفضليةً في قطع الإمداد والرّصد.
وشكّل التّفجير العنيف في محيط الطّيّبة تطوّرًا ميدانيًّا إضافيًّا يضيء على طبيعة التقدّم الإسرائيليّ في هذا القطاع. التقارير الميدانيّة أفادت اليوم بأنّ الجيش الإسرائيليّ نفّذ تفجيرًا عنيفًا في محيط البلدة، بالتزامن مع غارةٍ قويّة على المنصوري وقصفٍ مدفعيّ. وكان قد سُجل أمس حصول انفجارٍ كبيرٍ في الطّيّبة ناتجٍ من عمليّات للجيش الإسرائيليّ. ويدلّ تكرار هذا النمط من التفجير على أنّ إسرائيل لا تكتفي بالتقدّم أو القصف التمهيديّ، بل تعمل أيضًا على هندسة الميدان بالنّسف والتدمير، سواءً لفتح مسارب، أو إزالة عوائق، أو تدمير مبانٍ وبنى يشتبه في استخدامها قتاليًّا، بما يعزّز فرضيّة السعي إلى تثبيت موطئ قدمٍ طويل الأمد على الحافة الشرقيّة الأقرب إلى الليطاني.
شكّل التّفجير العنيف في محيط الطّيّبة تطوّرًا ميدانيًّا إضافيًّا يضيء على طبيعة التقدّم الإسرائيليّ في هذا القطاع.الاشتباكات اليوم لم تكن من نمطٍ واحد. في الغرب، بدت أقرب إلى قتال دبّاباتٍ وآليّاتٍ وتجمّعاتٍ داخل قرى أو على أطرافها، ولا سيّما في البيّاضة وشمع. وفي الشّرق، تداخلت ضربات الصواريخ الموجّهة مع استهداف المدرّعات على خطّ القنطرة، بالتوازي مع القصف الإسرائيليّ المدفعيّ والجويّ على الخيام ومحيطها. أمّا في الوسط، فالمشهد أقرب إلى قتال محاور، أي سعيٍ إسرائيليّ لفتح ممرّاتٍ بين القوزح ودبل وبيت ليف وعيناتا، مع إبقاء بنت جبيل تحت ضغطٍ ناريّ دائم. وبكلامٍ آخر، نحن أمام اشتباكات "تقدّمٍ محميّ بالنّار" من الجانب الإسرائيليّ، و"اعتراضٍ موضعيّ واستنزافٍ مضادّ للدروع والآليّات" من جانب "حزب الله".
المعطيات المتقاطعة اليوم تظهر أنّ إسرائيل تشغّل في الجنوب قوّاتٍ برّيةً كبيرةً، بينها دباباتٌ وعدّة فرقٍ، مع إسنادٍ من المدفعيّة، والمسيّرات، والطيران الحربيّ، وعمليّات هدمٍ وتفجيرٍ للمباني على بعض المحاور، إضافةً إلى استخدام الذخائر الحارقة أو الفوسفوريّة، كما أبلغ عن قصفٍ بالفوسفور الأبيض في يحمر الشقيف. وفي المقابل، أعلن "حزب الله" اليوم، عبر بياناته التي نقلتها وسائل إعلام محلّية ودوليّة، استهداف ناقلة جندٍ بمسيّرةٍ انتحاريّة في البيّاضة، وضرب موقع رادار بمسيّرةٍ متفجّرة، وقصف جنودٍ وآليّاتٍ بوابلٍ صاروخيّ، واستهداف دبّابات "ميركافا" بمسيّراتٍ وصواريخ موجّهة، وبينها ضربةٌ لدبّابة قرب خزان القنطرة. أمّا من حيث العديد، فلا تتوافر أرقامٌ دقيقةٌ موثّقةٌ اليوم عن الحجم الفعليّ لكلّ محور، مع الحديث عن "قوّاتٍ برّيةٍ كبيرة" و"عدّة فرق"، وهو توصيفٌ ينسجم مع طبيعة الانتشار المتزامن على ثلاثة قطاعات.
كما برز ملفّ انسحاب قوات الجيش اللّبنانيّ من بعض النقاط الأماميّة، أو التمهيد لذلك، بما يعكس حجم الضغط الميدانيّ الإسرائيليّ على القرى الحدوديّة. وفي هذا السياق، أفاد رئيس بلديّة رميش حنّا عمّيل، بأنّ الجيش اللّبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ أبلغا البلديّة والأهالي نيّتهما الانسحاب من البلدة بناءً على أوامر من القيادات المعنيّة. وهذه الخطوة، إذا استكملت، لا تقرأ بوصفها تفصيلًا إداريًّا، بل كمؤشّرٍ إلى اتّساع رقعة الفراغ الأمنيّ الرسميّ في القرى الملاصقة للجبهة، في لحظةٍ تحاول فيها إسرائيل فرض وقائع ميدانيّة بالقوّة، وفتح المجال أمام توغّلٍ أقلّ كلفةً في المناطق التي يتراجع منها الحضور الرسميّ اللّبنانيّ.
ميدانيًّا، اليوم الثلاثاء 31 آذار اتّسم بخمس إشاراتٍ بارزة:
أوّلًا، استمرار الاشتباكات المباشرة في البيّاضة والخيام وعيناتا.
ثانيًا، انتقال القتال إلى مستوى أكثر كلفةً للجيش الإسرائيليّ، بعد إقراره بمقتل أربعة جنود في الجنوب.
ثالثًا، استمرار الغارات على الجنوب والضّاحية الجنوبيّة لبيروت بالتوازي مع التوغّل، بما يعني أنّ إسرائيل تدير المعركة بدمجٍ كاملٍ بين البرّ والجوّ.
رابعًا، توسّع الضغط باتّجاه البقاع الغربيّ، مع إنذاراتٍ بالإخلاء لبلداتٍ هناك، بما يوحي بأنّ الجبهة قد لا تبقى محصورةً بين الخطّ الحدوديّ والليطاني.
خامسًا، بقاء معظم المحاور ضمن حالة "تماسّ متحرّك"، لا سيّما في البيّاضة، وبيت ليف، والقنطرة، والخيام، أي أنّ الإنجاز الإسرائيليّ الأكبر حتّى الآن هو توسيع مساحات النّار والاقتراب من عقد الإمداد، لا حسم السيطرة الأرضيّة الشّاملة..



