يُعدّ إنشاء مفاعل ديمونا في صحراء النقب أحد أكثر المشاريع التكنولوجية سرية وتأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وربما أكثرها غموضاً أيضاً. غير أنّ قصته لا تختصر بتاريخ تطوير المفاعل فحسب، بل هي دراسة في كيفية تداخل التكنولوجيا مع الدبلوماسية غير التقليدية والظروف الجيوسياسية. فقد تمكنت إسرائيل من بناء برنامجها النووي في ظروف تبدو مستحيلة، عبر شبكة من الاتفاقات السرية والعمليات الاستخبارية والتمويل الخاص والمناورات السياسية التي بلغت حد الابتزاز، مستغلة تحولات مرحلة ما بعد الاستعمار.
بداية التعاون النووي الفرنسي - الإسرائيلي
تعود البدايات الفعلية للبرنامج النووي الإسرائيلي إلى منتصف خمسينيات القرن العشرين. بالنسبة للمؤسس ديفيد بن غوريون، كان امتلاك "رادع استراتيجي" ضرورة وجودية في ظل التفوق العددي للجيوش العربية، فيما شبح الهولوكوست حاضر في الوعي السياسي للمستوطنين الجدد.
في الوقت نفسه كانت فرنسا تتعرض لضربات قاسية في الجزائر، وكانت تعتقد أن مصر بقيادة جمال عبد الناصر تدعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية. هذا العداء المشترك تجاه القاهرة فتح قناة تعاون غير تقليدية بين وزارتي الدفاع في البلدين، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية.
جاءت أزمة السويس في العام 1956 لتوفر اللحظة الحاسمة. خلال الاجتماعات السرية في "سيڤر" قرب باريس، احتاجت فرنسا وبريطانيا إلى انضمام إسرائيل إلى ما يُعرف عربياً بالعدوان الثلاثي ضد مصر بعد تأميم قناة السويس.
في تلك المفاوضات ربطت إسرائيل مشاركتها في العملية بالحصول على دعم فرنسي لتطوير برنامج نووي. وافقت الحكومة الفرنسية في النهاية على تزويد إسرائيل بمفاعل أبحاث صغير.
وبالرغم من فشل حملة السويس تحت ضغط الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تمكنت إسرائيل من توسيع الصفقة لتشمل مفاعلاً أكبر في ديمونا، مع بنية تحتية قادرة على إنتاج البلوتونيوم.
التوقيع بأثر رجعي
واجه المشروع النووي الإسرائيلي تهديداً مستمراً بإيقافه بسبب عدم الاستقرار السياسي في فرنسا خلال سنوات الجمهورية الرابعة. وبلغت الأزمة ذروتها في الأول من تشرين الأول 1957 عندما سقطت حكومة رئيس الوزراء موريس بورجيه مانوري بعد تصويت بحجب الثقة.
قبل ساعات من انهيار الحكومة كان القرار النهائي بشأن تزويد إسرائيل بمفاعل الماء الثقيل ومنشأة إعادة المعالجة لا يزال معلقاً. أدرك شمعون بيريز أن الحكومة الجديدة قد تتراجع عن الاتفاق، فسافر إلى باريس على جناح السرعة.
يروي شمعون بيريز في وثائقي عن حياته بُثّ على شبكة نتفليكس أنه قام بابتزاز رئيس الوزراء الفرنسي المستقيل، قائلاً إنه يستطيع الدفاع عنه ضد إشاعات معاداة السامية المتداولة بحقه إذا قام بتأريخ التوقيع على الصفقة إلى ما قبل الاستقالة: "أستطيع مساعدتك في هذا الأمر، لكن عليك أن تساعدني أولاً".
في صباح اليوم التالي، وبعد أن فقدت الحكومة الفرنسية سلطتها رسمياً، وقّع رئيس الوزراء المنتهية ولايته على الوثيقة التي تسمح بتنفيذ الاتفاق النووي الكامل، لكنه وضع تاريخاً سابقاً للتوقيع يعود إلى 30 أيلول.
كان هذا التوقيع المؤرخ بأثر رجعي أول مناورة سياسية استثنائية هدفت إلى تثبيت الاتفاق قبل أن تتمكن الحكومة الجديدة من إلغائه. ورغم أن السجلات التي رُفعت عنها السرية لا تؤكد وجود حوار محدد يتعلق بـ"معاداة السامية" كأداة للابتزاز، فإن التوقيع بأثر رجعي شكّل الميلاد الفعلي للبرنامج النووي الإسرائيلي.
مواجهة ديغول: ابتزاز ديمونا الثاني
عندما عاد شارل ديغول إلى السلطة في العام 1958 تغيّر الموقف الفرنسي جذرياً. فقد أراد إنهاء حرب الجزائر وإعادة بناء العلاقات مع الدول العربية، وهو ما جعل التعاون النووي السري مع إسرائيل عبئاً سياسياً.
طالب وزير الخارجية الفرنسي آنذاك بإلغاء المشروع فوراً. لكن المفاوضات التي تلت ذلك كشفت عن توازن دقيق من الضغوط المتبادلة.
أبلغ شمعون بيريز المسؤولين الفرنسيين أن إلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يدفع إسرائيل إلى الكشف عن تفاصيل التعاون النووي المشترك. وكان مثل هذا الكشف سيضع فرنسا في موقف حرج للغاية، إذ سيظهرها كدولة تساعد على انتشار التكنولوجيا النووية في منطقة حساسة، ويقوّض مساعيها لتحسين علاقاتها مع العالم العربي.
في النهاية نجح ابتزاز بيريز للمرة الثانية، وتم التوصل إلى تسوية تقضي بأن تواصل فرنسا تنفيذ التزاماتها التقنية في ديمونا، مقابل بقاء المشروع في سرية تامة وعدم الاعتراف الرسمي بأي دور فرنسي فيه.
سرية الهندسة والتمويل
مع بدء البناء في صحراء النقب انتقل المشروع من سر سياسي إلى سر مادي. قدّمت الحكومة الإسرائيلية تفسيرات مختلفة للموقع، منها أنه مصنع نسيج أو مركز أبحاث للمعادن.
لكن التحليلات اللاحقة أظهرت أن تصميم المفاعل نفسه احتوى على عناصر تمويه. فالمفاعل الفرنسي صُنّف رسمياً بقدرة تقارب 24 ميغاوات حرارية، إلا أن أنظمة التبريد بُنيت بطريقة تسمح بزيادة القدرة إلى نحو 70 ميغاوات.
كما أُخفيت منشأة إعادة المعالجة الكيميائية، وهي الجزء الأكثر حساسية في دورة الوقود النووي، في طوابق تحت الأرض داخل مبنى يُعرف باسم "ماشون 2". وقد كشفت تسريبات لاحقة أن هذه المنشأة كانت قادرة على إنتاج البلوتونيوم من الوقود المستنفد بكميات تكفي لعدة أسلحة نووية سنوياً.
كان بناء مجمع ديمونا مشروعاً مكلفاً لدولة ناشئة ذات موارد محدودة. وقدّرت تكلفته في نهاية الخمسينيات بما يتراوح بين 80 و100 مليون دولار.
ولتجنب إدراج المشروع في الميزانية الرسمية، أنشأت القيادة الإسرائيلية شبكة تمويل خاصة بدعم من رجال أعمال يهود في الولايات المتحدة وأوروبا. عُرفت هذه الشبكة باسم "معهد سونبورن".
بين عامي 1958 و1960 ساهم نحو خمسة وعشرين رجل أعمال من أوروبا والولايات المتحدة بحوالي أربعين مليون دولار في صندوق سري لتمويل المشروع. وقد سمح هذا النموذج المالي الهجين، الذي جمع بين التمويل الخاص والمشروع السيادي، باستمرار العمل بعيداً عن الرقابة البرلمانية أو التدقيق الدولي.
الاكتشاف الأمريكي وضغط كينيدي
لم تدرك الولايات المتحدة حجم مشروع ديمونا إلا في نهاية عام 1960، عندما أشارت تقارير استخباراتية إلى احتمال وجود منشأة لإنتاج البلوتونيوم لأهداف عسكرية في النقب.
أدى ذلك إلى توتر كبير بين واشنطن وتل أبيب خلال إدارة الرئيس جون كينيدي. طالب كينيدي بإجراء زيارات تفتيش منتظمة للمفاعل للتأكد من طابعه السلمي، وربط استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل بالحصول على ضمانات واضحة.
وافقت إسرائيل على زيارات محدودة لعلماء أميركيين، لكن هذه الزيارات كانت منظمة بعناية ولم تشمل المنشآت الحساسة تحت الأرض. وبهذا تمكنت إسرائيل من الحفاظ على قدر من التعاون الظاهري، مع الاستمرار في تطوير برنامجها بعيداً عن الأنظار.
عملية "بلمبات": السطو على الكعكة الصفراء
واجه المشروع النووي الإسرائيلي أزمة إمداد في أعقاب حرب عام 1967، عندما أوقف الرئيس الفرنسي شارل ديغول تزويد إسرائيل بوقود اليورانيوم لمفاعل ديمونا. ولتجاوز هذا النقص في المواد الخام اللازمة لإنتاج البلوتونيوم، نفذ جهاز الموساد عام 1968 واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيداً، والتي عُرفت باسم "قضية بلمبات" (Plumbat Affair).
اعتمدت العملية على هندسة شبكة من الشركات الوهمية لتجاوز ضوابط وكالة "يوراتوم" الأوروبية (Euratom). فقد تم شراء سفينة شحن ألمانية صغيرة عبر شركة شحن ليبيرية وهمية. وفي تشرين الثاني 1968، تم تحميل السفينة في ميناء أنتويرب في بلجيكا بـ200 طن من أكسيد اليورانيوم (الكعكة الصفراء)، المشتراة من شركة بلجيكية والمباعة ظاهرياً لشركة دهانات إيطالية. وقد جرى تعبئة الشحنة في 560 برميلاً معدنياً تحمل ملصقات "PLUMBAT" للإيحاء بأنها شحنة تجارية عادية لمشتقات الرصاص.
أثناء رحلة السفينة التي تحمل علم ليبيريا، والمقررة من بلجيكا إلى جنوة، تم استبدال الطاقم الأصلي ببحارة وعملاء من الموساد. وفي نقطة شرق جزيرة كريت، التقت السفينة بسفينة شحن إسرائيلية تحت حماية زوارق حربية إسرائيلية، حيث نُقل كامل شحنة اليورانيوم إلى إسرائيل. ظهرت السفينة الأصلية لاحقاً في ميناء تركي وهي فارغة تماماً، مع فقدان صفحات من سجلها الرسمي.
لم تكتشف السلطات الأوروبية حقيقة ما حدث إلا عام 1973، عندما أدلى عميل الموساد المعتقل في النرويج، ويدعى دان إرت، بتفاصيل العملية أثناء استجوابه. وقد مكنت هذه الشحنة إسرائيل من تشغيل مفاعل ديمونا لفترة طويلة وتأمين المواد اللازمة لترسانتها النووية الناشئة بعيداً عن الرقابة الدولية.
سياسة الغموض النووي وعقيدة بيغن
في العام 1969 تشكّل الإطار الذي ما زال يحكم السياسة النووية الإسرائيلية حتى اليوم. ففي تفاهم غير معلن بين الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير، وافقت الولايات المتحدة على التوقف عن الضغط العلني بشأن البرنامج النووي الإسرائيلي، في مقابل التزام إسرائيل بعدم الإعلان رسمياً عن امتلاك أسلحة نووية وعدم إجراء تجربة نووية علنية. وأصبحت هذه السياسة تُعرف باسم "الغموض النووي"، حيث لا تؤكد إسرائيل امتلاك السلاح النووي ولا تنفيه.
ارتاحت إسرائيل بعد عقود من الضغط الأمريكي، وتحولت استراتيجيتها نحو ضمان تفوقها النووي الإقليمي. فتبنت ما عُرف بـ"عقيدة بيغن"، التي تنص على منع أي دولة في الشرق الأوسط من امتلاك سلاح نووي.
تجسّد هذا المبدأ بوضوح عام 1981 عندما نفذت القوات الجوية الإسرائيلية "عملية أوبرا"، حيث قصفت ثماني طائرات من طراز F-16 مفاعل أوزيراك (تموز) العراقي بالكامل، وهو مفاعل بحثي فرنسي شبيه بما كان من المفترض أن يكون عليه مفاعل ديمونا في بداياته. ورغم أن المفاعل العراقي كان خاضعاً لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن إسرائيل اعتبرت تدميره خطوة وقائية ضرورية، في مفارقة لكونها تمارس عملياً ما اتهمت به العراق.
إرث ديمونا
بالرغم من سياسة الغموض، تشير تقديرات مؤسسات بحثية مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن إسرائيل تمتلك نحو تسعين رأساً نووياً.
ويُعتقد أن هذه القدرة موزعة على ثلاث منصات رئيسية:
الطائرات المقاتلة القادرة على حمل قنابل نووية
صواريخ أريحا الباليستية بعيدة المدى
غواصات دولفين التي توفر قدرة على الضربة الثانية من البحر
ما نعيشه اليوم من حروب إقليمية هو، إلى حد كبير، إرث ديمونا. فقد أرسى هذا المشروع منطق الاحتكار النووي الذي تجسد في عقيدة بيغن، بينما قوض التسامح الدولي مع الغموض النووي الإسرائيلي صدقيّة مبدأ عدم الانتشار ورسَّخ ازدواجية معايير واضحة. وبين احتكار يُفرض بالقوة ومحاولات إيرانية برزت خلال العقدين الأخيرين بوصفها التحدي الأكثر وضوحاً لهذه الأحادية، يواصل الشرق الأوسط الدوران في حلقة صراعات يدفع ثمنها آلاف الضحايا.
