JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

بعد بيان اليرزة: هجوم على هيكل يدفع إلى حد الاستقالة؟

خط المقالة

بتول يزبك - المدن

لم يكن البيان الصادر عن قائد الجيش العماد رودولف هيكل مجرّد موقفٍ عسكريٍّ في لحظةٍ هي الأشدّ حساسيّة، ولا بدا، في توقيته ومضمونه، تقنية تتّصل بإدارة المؤسّسة العسكريّة لمرحلةٍ أمنيّة هي الأحرج في كلّ المقاييس. فالبيان، الذي صدر بعد اجتماع استثنائيّ في اليرزة، فتح بابًا واسعًا من السجال السياسيّ، وأثار ردود فعلٍ اعتراضيّة متدحرجة، سرعان ما تجاوزت مضمونه المباشر إلى ما هو أبعد، أي إلى موقع الجيش نفسه في المعادلة اللبنانيّة، ودور قائده في المرحلة المقبلة.

سياسيًّا، قد يقرأ هذا الهجوم عند البعض بوصفه اعتراضًا على بيانٍ فحسب، لكنّه في هذه اللحظة بات يلمح إلى ضغطٍ مركّزٍ على الجيش، وتحديدًا على قائده، داخليًّا وخارجيًّا، لدفع المؤسّسة العسكريّة إلى الذهاب أبعد في ملفّ سحب السلاح، والسيطرة على مواقع "حزب الله"، ومنع استخدام الجغرافيا اللبنانيّة منصّةً لأيّ تصعيد. وفي خلفيّة هذا الضغط، تتردّد معطياتٌ سياسيّة عن مهلةٍ أعطيت للدولة اللبنانيّة كي تتحرّك، وأنّ الرسالة الدوليّة باتت واضحة، إمّا أن يتحرّك الجيش ضدّ الحزب ضمن القرار السياسيّ المرسوم، وإمّا أن تتدرّج الحرب نحو تصعيدٍ أوسع وأشدّ خطورة.

لكنّ قيادة الجيش لا تنظر إلى المسألة بهذه البساطة. فالمؤسّسة العسكريّة تبدي خشيةً واضحةً من أيّ انزلاقٍ يهدّد السّلم الأهليّ، فيما تبدو القوى الدوليّة أكثر ميلًا إلى تقديم أولويّة سحب السلاح على أولويّة الاستقرار الداخليّ، ولو على حساب توتير الساحة اللبنانيّة.

وفي الكواليس، يتوسّع الكلام عن حملةٍ منظّمة، محلّيّةٍ وخارجيّة، لرفع الضغط على قيادة الجيش ووضعها أمام خيارين، إمّا الانخراط بوضوحٍ في مسار سحب السلاح والسيطرة على مواقع الحزب، وإمّا تحمّل تبعات التردّد سياسيًّا وربّما أمنيًّا. وتذهب بعض الأوساط أبعد من ذلك، متحدّثةً عن أنّ الحملة قد تتجاوز الضغط إلى التلويح باستقالة قائد الجيش أو إقالته إذا اعتبر أنّه لا يواكب إيقاع المرحلة كما يريده الداخل والخارج.

بيانٌ دفاعيٌّ فتح باب الهجوم

في اجتماعه الاستثنائيّ في اليرزة، قدّم العماد رودولف هيكل مقاربةً حذرةً للمرحلة، متوقّفًا عند تعقيد الوضع، والضغوط الداخليّة والخارجيّة، ومحدوديّة الإمكانات، ومشدّدًا على أنّ أولويّة الجيش تبقى حماية لبنان ووحدته، والحفاظ على الاستقرار الداخليّ، ومواكبة النزوح، ومتابعة إعادة التموضع جنوبًا، بالتوازي مع مراقبة التطوّرات على الحدود اللبنانيّة السوريّة. وفي خلاصة بيانه، بدا أنّ قائد الجيش أراد التأكيد أنّ المؤسّسة تعمل في ظروفٍ بالغة التعقيد، وأنّ الحلّ لا يمكن أن يكون عسكريًّا فقط، بل يحتاج إلى تكاملٍ سياسيٍّ ورسميّ، وإلى وقف الاعتداءات الإسرائيليّة وتعزيز قدرات الجيش. لكنّ هذا الخطاب فهم سياسيًّا على نحوٍ مختلف، إذ رأى فيه خصومه التفافًا على جوهر الأزمة، لأنّه تجنّب تسمية "حزب الله"، ولم يضع تنفيذ قرارات الحكومة، ولا مسألة السّلم والحرب، في صلب المقاربة، ومن هنا بدأ التصويب عليه.

الضغط على الجيش 

الاعتراضات الّتي تلت البيان لم تكن منفصلةً عن مناخٍ سياسيٍّ آخذٍ في التصعيد. فالمطلوب، بالنسبة إلى خصوم الحزب، لم يعد مجرّد تأكيد التزام الجيش بالدولة، بل الانتقال إلى ترجمةٍ ميدانيّةٍ مباشرة، تقطع الطريق على أيّ ذريعةٍ يستخدمها الإسرائيليّ للتوسّع في الحرب.

رداً على سؤال "المدن"، لا يتحدّث النائب إبراهيم منيمنة عن حملةٍ على قائد الجيش بقدر ما يصوّب على ما يعتبره أصل المشكلة، أي غموض البيان وتجنّبه النقاط الجوهريّة. ويقول إنّ بيان الجيش كان "مستغربًا"، لأنّه لم يأت على ذكر "حزب الله"، ولا على ذكر مصادر قرار السّلم والحرب، ولا كيف فتحت الجبهة منفردةً تحت عنوان المساندة لإيران، كما أنّه تجاهل قرارات الحكومة، "وكأنّها لم ترد فيه مطلقًا"، ما أثار الكثير من الاستغراب.

وعن أداء قائد الجيش في هذه المرحلة، يعتبر منيمنة أنّ مسؤوليّة الجيش تقع اليوم في تنفيذ قرارات السلطة السياسيّة، لكنّ البيان، بحسب رأيه، لم يظهر هذا الجانب المتعلّق بكيفيّة تنفيذ القرار، "وكأنّه لم يعط قرارات الحكومة الاعتبار اللازم". ومع ذلك، يحرص منيمنة على الفصل بين نقد البيان ودعم المؤسّسة، مؤكّدًا أنّه لا يتحدّث عن أداء الجيش، وأنّهم داعمون له ويدركون تمامًا الصعوبات والتحدّيات التي يواجهها، "لكن، على الأقلّ، في هذا الموضوع، يجب أن يكون هناك وضوحٌ في الالتزام بقرارات الحكومة، وأن تعطى هذه القرارات الاعتبار المطلوب".

ويضيف أنّ المشكلة ليست في الجيش كمؤسّسة، بل في الخطاب والتوضيح السياسيّ، إذ يجب، برأيه، أن يكون الأمر جليًّا أمام اللبنانيّين، وأن يظهر بوضوحٍ أنّ الجيش يلتزم قرارات السلطة السياسيّة ويتّجه إلى تنفيذها.

"القوّات": الجميع مقصّر 

مصادر في "القوّات اللبنانيّة" قالت لـ"المدن" إنّ المطلوب أن يكون الأداء أفضل، "لكن، بصورةٍ عامّة، يمكن القول إنّ الجميع مطالبٌ بأن يكون أداؤه أفضل، وليس الجيش وحده".

وتضيف هذه المصادر أنّ المسؤوليّة لا تقع على المؤسّسة العسكريّة وحدها، بل تشمل السلطة السياسيّة والقضاء أيضًا: "لا يجوز أن نحمّل الجيش وحده كلّ العبء، فيما المطلوب أن تتحرّك جميع المؤسّسات". لكنّ هذه المقاربة، على الرغم من توزيعها المسؤوليّات، لا تخفّف من حجم المطلوب من الجيش. فالمصادر نفسها تؤكّد "على سبيل المثال، إذا وجدت منصّة صواريخ تستخدم لإطلاق النار على إسرائيل، فمن واجب الجيش أن يعمل على تعطيلها، وأن يلاحق العناصر المرتبطة بها، وأن يمنع استخدامها. هذا جزءٌ من التنفيذ العمليّ للقرار السياسيّ".

وتتابع المصادر: "لكن في المقابل، لا يجوز أن نحصر المسؤوليّة في الجيش فقط، لأنّ السلطة السياسيّة هي التي اتّخذت القرار بحظر الأنشطة العسكريّة، وهي أيضًا مطالبةٌ بأن تستكمل هذا القرار بخطواتٍ واضحة، ومنها تحميل "حزب الله" مسؤوليّة الالتزام بما تقرّره الدولة. وإذا لم يحصل ذلك، فإنّ السلطة السياسيّة أيضًا لا تكون قد أدّت دورها كما يجب".

وأردفت المصادر: "ما أعرفه هو أنّ قائد الجيش، في جلسة مجلس الوزراء، تحدّث عن الهواجس والعوائق، وقال بوضوح، أنا أنفّذ قرارات السلطة التنفيذيّة. بمعنى أنّه لم يرفض تنفيذ القرارات، بل أكّد التزامه بها، لكنّه تحدّث عن عقباتٍ واقعيّةٍ موجودة على الأرض".

تصويبٌ مباشر على القيادة

وقد انتقل التصويب على قيادة الجيش إلى العلن، مع مواقف مباشرة من نوّاب معارضين. إذ رأى النائب ميشال دويهي، في منشورٍ على منصّة "إكس"، أنّ الجيش ملزمٌ دستوريًّا بتنفيذ قرار الحكومة من دون تأويلٍ أو اجتهاد، معتبرًا أنّ البيان الصادر عن الجيش تجاوز أحكام المادّة 65 من الدستور، ويستدعي مساءلةً من السلطة التنفيذيّة، ومؤكّدًا أنّ الاستقرار الداخليّ وصون الوحدة الوطنيّة لا يتحقّقان إلّا بسيادة الشرعيّة، لا عبر "مهادناتٍ كارثيّة".

وفي الاتجاه نفسه، ذهب النائب وضّاح الصادق أبعد في التصويب، فاعتبر أنّ قيادة الجيش ليست جهةً سياسيّةً تبدي رأيًا أو تطرح تصوّراتٍ للحلول، بل مؤسّسةٌ ملزمةٌ بتنفيذ قرارات السلطة التنفيذيّة، وفي مقدّمها قرار الحكومة المتعلّق بـ"حزب الله". ورأى أنّ القيادة لا تملك حقّ تقييم القرار، بل واجبها تنفيذه فورًا، بدل إصدار بياناتٍ تتجاهل قرارات الحكومة وتغضّ الطرف، بحسب تعبيره، عن أنشطة الحزب العسكريّة والأمنيّة وعرقلته لخطّة الجيش منذ أكثر من عام.

هذه المواقف لا ترى قيادة الجيش بوصفها طرفًا متردّدًا فقط، بل بوصفها جهةً يشتبه في أنّها لا تزال تراعي "حزب الله" في لحظةٍ يعتبرها أصحاب هذه الحملة لحظة كسرٍ لا لحظة موازنة.

مهلةٌ للبنان أم مهلةٌ للجيش؟

المعادلة الّتي تتشكّل تدريجيًّا باتت شبه حتمية، كما يصفها مراقبون. إذ ثمّة مهلة أعطيت للدولة اللبنانيّة كي تتحرّك، لكنّ المقصود الفعليّ بهذه المهلة هو الجيش. فالمؤسّسة العسكريّة هي الجهة الوحيدة القادرة على تحويل القرار السياسيّ إلى وقائع ميدانيّة، وهي لذلك تتحوّل إلى نقطة الارتكاز الوحيدة في حسابات الداخل والخارج.

وعليه، فإنّ الضغوط المتزايدة على رودولف هيكل لا تنفصل عن محاولة دفعه إلى خيارٍ نهائيّ، إمّا القبول بأن يكون الجيش رأس الحربة في مسار سحب السلاح والسيطرة على مواقع الحزب، وإمّا التعرّض لموجةٍ متصاعدةٍ من الاتّهام والمسائلة وربّما الاستهداف السياسيّ والشخصيّ

Comments
NameEmailMessage