بين الحين والآخر، تبرزُ تقارير عن العمليات التجسسية الإسرائيلية وتحديداً في لبنان، الأمر الذي يكشفُ عن سعي إسرائيليّ دائم لاقتحام الدول الأخرى من البوابة الاستخباراتية بهدف تجميع معلومات وتشكيل قاعدة بياناتٍ عن الجهات المناوئة لتل أبيب.
وخلال السنوات الأخيرة، كشفت العديد من التحقيقات الصحفية ومنظمات حقوق الإنسان عن انتشار واسع لأدوات التجسّس الإلكتروني المتقدمة التي طوّرتها شركات إسرائيلية، وأبرزها برنامج "بيغاسوس" (Pegasus) الذي تنتجه مجموعة NSO الإسرائيلية.
وبدأت هذه البرمجيات في الظهور في تقارير عالمية منذ عام 2021، عندما أظهرت تحقيقات أن البرنامج استُخدم للتجسّس على هواتف مسؤولين، صحفيين، ونشطاء في أكثر من 50 دولة حول العالم.
وخلال العام الماضي، وتحديداً في الولايات المتحدة، صدر حكمٌ قضائي يلزم مجموعة "NSO" بالتوقف عن استهداف مستخدمي تطبيق "واتسآب"، بعد ثبوت الاستخدام غير القانوني للتطبيق كوسيلة لنشر "بيغاسوس"، مؤكدة أن ذلك يسبب "ضرراً لا يمكن تعويضه".
وخلال شهر كانون الثاني الماضي، أغلقت أعلى محكمة في إسبانيا تحقيقاً جنائياً حول استخدام برنامج "بيغاسوس" للتجسس على سياسيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس الوزراء، وذلك بسبب عدم تعاون السلطات الإسرائيلية في تقديم المعلومات المطلوبة، مما أعاق مسار التحقيق.
وقبل أيام قليلة هذا الشهر في إسبانيا، تم توجيه الاتهام لأول مرة إلى اثنين من المديرين السابقين لـ"الحرس المدني" ومسؤولين آخرين، بمن فيهم مديرة سابقة لجهاز الاستخبارات الوطني، في إطار قضية تتعلق بالتجسس باستخدام "بيغاسوس" وبرامج تجسس أخرى.
وهذه الاتهامات جاءت بعد شكاوى من ضحايا يتهمون بأن هجماتهم الرقمية استهدفتهم بين 2019 و2021.
ماذا تقول المعلومات عن برنامج "بيغاسوس" وماذا تكشف التفاصيل عنه؟
برنامج بيغاسوس هو أحد أخطر برامج التجسّس المطوّرة في العالم، ويستخدم تقنيات معقدة لا تتطلب أي تفاعل من المستخدم لاختراق الهاتف، سواء كان يعمل بنظام iOS أو android.
وبمجرد وصوله إلى الجهاز، يمكنه:
- قراءة الرسائل النصية والبريد الإلكتروني.
- تسجيل المكالمات واستخدام الكاميرا والميكروفون.
- تتبّع الموقع والمعلومات الشخصية بالكامل.
ويعتمد في كثير من الأحيان على ثغرات "Zero-Click"، أي اختراق الهاتف دون أن ينقر المستخدم على رابط أو صورة.
وكانت تقارير حقوقية ودولية وثّقت استهداف شخصيات في لبنان ببرمجية "بيغاسوس" خلال السنوات الماضية، شملت سياسيين وصحافيين وشخصيات عامة.
كذلك، نشرت "هيومن رايتس ووتش" تقارير تؤكد استهداف أجهزة هواتف بعض الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان ببرمجيات مثل "بيغاسوس"، وهو ما يؤكد تهديد هذه التقنيات حتى لمنظمات غير حكومية وصحفيين.
وتُشكّل هذه البرمجيات تهديداً مباشراً للخصوصية الشخصية، إذ أنَّ البيانات الحساسة مثل الرسائل والمكالمات والموقع يمكن أن تُستخرج بصورة سرّية، مما يلحق أضراراً شخصية وسياسية للمستهدفين.
وفي دول مثل لبنان التي تشهد صراعات داخلية وإقليمية، يمكن لهذه الاختراقات أن تُستخدم للتجسّس على مؤسسات حكومية، أجهزة أمنية، وحتى التخطيط للتلاعب في السياسة الداخلية.
أيضاً، فإن استهداف الصحفيين والنشطاء يدمّر بيئة العمل المدني ويحدّ من حرية الإعلام والمساءلة، إذ يمكن أن يُستخدَم التجسّس لابتزاز أو قمع أصوات المعارضة.
في خلاصة الأمر، فإنّ برامج التجسّس الإسرائيلية مثل بيغاسوس تمثل تهديداً حقيقياً للخصوصية والأمن الرقمي في العالم العربي، بما في ذلك لبنان، لأنها تسمح باختراق الهواتف والأجهزة الشخصية لأي فرد أو جهة دون علمه أو موافقته.
المخاطر تمتد أيضاً من خصوصيات الأفراد إلى الاستقرار السياسي والأمن القومي، وتشهد على ذلك تحقيقات دولية وأحكام قضائية عالمية.
