تاريخياً، يعيش لبنان حالة صراع مع نفسه حول الهوية والوجهة. في فترة نشوء دولة لبنان الكبير والانقسام حول الوجهة العربية أم الغربية، إلى التنازع ما بين حلف بغداد والمشروع القومي العربي، وتأييد القضية الفلسطينية والكفاح المسلح مقابل رفضها، والجنوح نحو 17 أيار والانقلاب عليه، استدعاء الوصاية السورية ومعارضتها، إلى السجال الذي فتح قبل سنوات بين التوجه شرقاً أو غرباً، وصولاً إلى المرحلة الحالية والتي يأخذ فيها الصراع في المنطقة مدى أبعد وأوسع وأكثر وضوحاً، يقف لبنان اليوم أمام مرحلة مفصلية على وقع المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وفي مواجهة الفرز الذي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تكريسه. إذ خرج قبل أيام ليعلن عن سعي إسرائيل لبناء تحالف جديد مع الهند، قبرص، اليونان ودول عربية بينها الإمارات العربية المتحدة، وصولاً إلى شمال أفريقيا، لمواجهة الراديكالية الشيعية والسنية.
نتنياهو يواجه أي مشروع عربي أو إسلامي
بوضوح وعلى نحوٍ مفضوح، أعلن نتنياهو مشروعه. وهو يسعى إلى إعادة تغيير وجه المنطقة، كما يقول دوماً، وتغيير توازناتها. إذ بعدما اعتبر أنه وجه ضربات قوية لإيران وحلفائها ومشروعها، لا بد له من العمل على مواجهة أي مشروع عربي أو إسلامي آخر، تماماً كمثل استعداده لمواجهة أي تحالف أو تقارب بين المملكة العربية السعودية، تركيا، باكستان، سوريا ومصر. وما يسعى إليه نتنياهو أكثر هو دفع الأميركيين لإسقاط النظام الإيراني والإتيان بنظام يكون حليفاً لإسرائيل، لأنه بذلك سيعمل على تغيير موازين القوى كلها في المنطقة، وهذا ما تسعى تركيا والدول العربية إلى تجنبه من خلال البحث عن صيغة تفاهم بين واشنطن وطهران.
تحالفات مع دول صغيرة أو كيانات
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه أن هناك قدرة لدى نتنياهو على استقطاب دول عربية كبيرة إلى مشروع التطبيع أو الاتفاقات الإبراهيمية، يسعى إلى انتزاع تحالفات مع دول عربية صغيرة مثل لبنان أو ضعيفة كسوريا. وحيث لا يتمكن من استقطاب الدول سيسعى إلى خلق كيانات موازية أو انفصالية داخل كل دولة، كما فعل من خلال اعترافه بجمهورية أرض الصومال. كما يطرح دعم مجموعات قومية أو طائفية مختلفة مثل طرحه لإنشاء ممر "إنساني" في السويداء، أو سعيه لتقسيم سوريا أو تفتيتها على أساس ديني أو طائفي أو قومي. ولبنان هو أحد أبرز الأهداف لهذا المشروع، بوصفه دولة متنوعة وتقع على الحدود مع إسرائيل، ولطالما نمت فيه مقاومات ضد إسرائيل ومشروعها.
لبنان لقطع الطريق على السعودية وتركيا؟
يتحدث نتنياهو، كما غيره من المسؤولين الإسرائيليين، عن الضغط على لبنان عسكرياً وسياسياً لتغيير الوقائع العسكرية والسياسية فيه والوصول إلى اتفاقات، وإلى التعاون الاقتصادي. في حقيقة المشروع الإسرائيلي، الهدف أن يكون لبنان متحالفاً مع إسرائيل أو منخرطاً ضمن مشروعها في مواجهة أي تكتل آخر سينشأ في المنطقة. وبذلك يمكن للبنان أن يكون مرتكزاً لقطع الطريق على تركيا أو السعودية أو لقطع الطريق على أي تقاطع بين هاتين الدولتين، بالإضافة إلى إبقائه كخاصرة إضعاف لسوريا في أي لحظة، وامتداد للنفوذ الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط. كما أن نتنياهو يراهن على تحالفه مع قبرص واليونان لإكمال مشروعه، ولجعل إسرائيل منطلق التجارة وتصدير الغاز إلى أوروبا، بدلاً من تركيا، أو سوريا أو أي دولة أخرى في المنطقة. وهذا ما أطلق عليه في العام 2023 مشروع طريق الهند.
لبنان والممر الهندي
للمصادفة، فإن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل تزامنت مع استقبال المسؤولين اللبنانيين للمبعوث الخاص للرئيس الفرنسي لمبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مع تأكيدهم استعداد لبنان للانخراط ضمن إطار المبادرة، بما يخدم مصالحه الوطنية ويعزز موقعه اللوجستي في المنطقة. للمفارقة أيضاً، أن ذلك يأتي بعدما سارع لبنان إلى إنجاز ترسيم الحدود البحرية مع قبرص من دون أي تنسيق مع سوريا أو تركيا. يوحي ذلك بوضوح باشتداد الضغط أو الصراع على الوجهة التي سيتخذها لبنان، لا سيما في ضوء المزيد من الضغوط الأميركية والإسرائيلية للدخول في مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب على مستوى سياسي، وحديث السفارة الأميركية في بيروت عن الوصول إلى اتفاق سلام.
تغيّر موقع سوريا
كل المجريات والوقائع تشير إلى أن لبنان سيتعرض للمزيد من الضغط السياسي والعسكري، في مقابل المزيد من الإغراءات للانضمام إلى تحالفات خطوط جديدة. عندما جرى إطلاق مشروع طريق الهند، كانت السعودية والأردن من ضمنه، وكان ذلك قبل طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على المنطقة. وكانت سوريا لا تزال تحت حكم نظام الأسد، الذي فتح المجال أمام اتفاقات مع الصين لتكون سوريا محطة أساسية على طريق الحرير القديم، أي جزءاً من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية. أما اليوم فإن الإسرائيليين يتحدثون بوضوح عن مواجهة تركيا والسعودية، بينما الرياض تتحدث عن رفض الدخول في أي اتفاق مع إسرائيل. وبعد سقوط الأسد تبدو أولويات الرياض قد تبدلت من خلال الاهتمام الاستراتيجي المشترك مع تركيا في سوريا وجعلها نقطة التقاطع الأساسية لممرات التجارة وخياراً بديلاً عن طريق الهند أو أي خطوط أخرى.
محوران... ولكن بإشراف أميركي
هذا ما يفرض المزيد من الضغوط على لبنان حول الخط الذي سيختاره، وما إذا كان سيتمكن من الدخول في تحالف خطوط يتعارض مع خطوط السعودية أو سوريا. طبعاً العنصر الحاسم في هذا المجال سيكون للولايات المتحدة الأميركية، التي تبدو أنّها، حتى الآن، توفر الدعم للخطين والطرفين، كما أن علاقتها جيدة مع دول التحالفين، وهو ما قد يجعل المنطقة أمام انقسام واسع وشديد بين محورين جديدين، كلاهما يسعيان إلى التفوق في مدى عمق علاقتهما مع الولايات المتحدة التي ستكون مشرفة عليهما، وراعية لهما، طالما أنهما لا يخرجان عن سياق استراتيجيتها ورؤيتها للمنطقة، وضمن إطار سياستها المعتمدة في إدارة العلاقات الدولية على قاعدة توازن بين قوى متناقضة جميعها ستصب عندها في النهاية. لا سيما أن اهتمامات الولايات المتحدة تتركز على السيطرة على النفط وتثبيت أمن إسرائيل والسيطرة على الممرات لمواجهة طريق الهند، وهنا يمكن ببساطة النظر إلى نشاط الشركات النفطية الأميركية التي توقّع اتفاقات من البحر الأبيض المتوسط مع إسرائيل، إلى شرق سوريا والعراق والتي لاحقاً ستشمل لبنان، إلى جانب السعي الأميركي للسيطرة على النفط الإيراني، لأن واشنطن تريد لكل هذه المنطقة أن تتحول إلى مدى حيوي لها تماماً كما تتعامل مع أميركا اللاتينية.
