لم يعد التحشيد العسكري الأميركي حول إيران يُقرأ بوصفه تمهيداً لضربة محدودة فحسب، بل كتهيئة مسرح عمليات كامل بقدرة على الاستمرار والتصعيد ثم العودة إلى التفاوض من موقع قوة.
ونقلت وكالة "رويترز" في 13 شباط/فبراير عن مسؤولين أميركيين أن الجيش يستعد لاحتمال عمليات قد تمتد "لأسابيع" إذا صدر قرار بالهجوم، وهو توصيف يضعنا أمام تصور حملة ممتدة لا أمام "ليلة قصف" عابرة.
وفي اليوم التالي، أوردت "رويترز" أيضاً أن حاملة الطائرات "جيرالد آر. فورد" تتجه للانضمام إلى "أبراهام لينكولن" في المنطقة مع مدمرات مزودة بصواريخ موجهة وطائرات مقاتلة واستطلاع، بما يعني أن البنتاغون يرفع سقف القدرة الهجومية والدفاعية في آنٍ واحد.
وعززت هذا المعنى صحيفة "وول ستريت جورنال" في 19 شباط/فبراير حين وصفت التجميع بأنه الأكبر من حيث القوة الجوية الأميركية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، مع إدخال مقاتلات شبح ومنصات قيادة وسيطرة، وتعدد خيارات الضربة من المحدود إلى الأوسع.
وتبدأ القراءة الأكثر دقة للتحشيد من سؤال بسيط: لماذا تحتاج ضربة ضد هدف محدد إلى كل هذا "العمق" في الانتشار؟ الجواب ليس في الضربة الأولى بقدر ما هو في ما يليها، ووفق تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية 5 كانون الأول/ديسمبر 2025 يلفت إلى أن الدفاع الصاروخي الحديث ليس مجرد "درع"، بل مخزون قابل للاستنزاف بسرعة في بيئة تتسم بالإشباع العددي من الصواريخ والمسيّرات. وبمعنى عملي، قد يكون القرار السياسي بإطلاق حملة عسكرية مشروطاً بقدرة واشنطن على حماية قواعدها وسفنها وحلفائها، وتحمّل وتيرة رد مضاد لعدة أيام أو أسابيع، لا لساعات.
التحشيد بالأرقام
ونشرت الولايات المتحدة أكبر حضور لها في الشرق الأوسط منذ 2003، وفق صحيفة "فايننشال تايمز" في 19 شباط/فبراير، مشيرة إلى وجود حاملتي طائرات وقرابة 12 سفينة حربية إلى جانب مقاتلات وأنظمة دفاع صاروخي متقدمة. فيما ذهبت صحيفة "وول ستريت جورنال" أبعد في المقارنة الرمزية عندما ربطت الكثافة الجوية الراهنة بأجواء ما قبل غزو العراق، لكن الفارق الجوهري هنا أن نموذج 2003 كان يتضمن خياراً برياً واسعاً، بينما تؤكد "رويترز" أن الإدارة الأميركية تميل إلى تجنب إرسال قوات برية كبيرة والتركيز على القوة الجوية والبحرية وربما وحدات خاصة.
ولفهم معنى "التحشيد الكبير" تاريخياً، تكفي مقارنة ثانية مع حرب الخليج. حيث يذكر الجيش الأميركي في مادة توثيقية رسمية بعنوان "عاصفة الصحراء: نظرة إلى الوراء"، أن أكثر من 500 ألف جندي أميركي نُشروا في السعودية ضمن "درع الصحراء" قبل بدء العمليات الكبرى. وتورد "هيستوري دوت كوم" أن قوات التحالف بلغت نحو 750 ألفاً بحلول كانون الثاني/يناير 1991، بينهم نحو 540 ألفاً من الولايات المتحدة. هنا تكمن المفارقة: واشنطن اليوم لا تبني كتلة برية مماثلة، لكنها تبني شيئاً آخر يُعادلها وظيفياً في عصر الصواريخ والمسيّرات، وهو "مسرح عمليات" متعدد الطبقات يضمن القدرة على الضرب مع القدرة على الصمود أمام الرد.
سيناريوهات الحرب: من الغارة إلى الحملة
وتحضر الولايات المتحدة عدة سيناريوهات للحرب من إيران، السيناريو الأول هو ضربة محدودة هدفها إعادة تثبيت الردع. هذا النموذج يقوم على توجيه ضربات دقيقة لمواقع دفاع جوي أو عقد قيادة وسيطرة أو بنى صاروخية منتقاة، ثم ترك الباب مفتوحاً أمام وقف النار أو العودة إلى التفاوض. إلا أن دروس العقدين الأخيرين، كما تُلمح دراسات "مؤسسة راند" حول ديناميات التصعيد والمخاطر غير المقصودة في الصراعات مع خصوم يمتلكون قدرات غير متكافئة، تفيد بأن الضربات المحدودة قد تُنتج رداً غير متوقع أو توسعاً أفقياً عبر ساحات أخرى. لذلك يصبح التحشيد الدفاعي والبحري هنا أهم من "حجم الضربة" نفسها، لأن الهدف الحقيقي هو منع إيران من تحويل الرد إلى كلفة سياسية واقتصادية دولية.
السيناريو الثاني هو حملة متعددة الموجات تمتد لأيام أو أسابيع، وهو السيناريو الذي ينسجم مباشرة مع توصيف "رويترز" عن "عمليات قد تدوم لأسابيع"، في هذا النموذج تصبح العملية سلسلة مترابطة تبدأ بمحاولات تعمية وإرباك الشبكات، يليها قمع الدفاعات الجوية ثم ضربات عميقة، ثم مرحلة تقييم الأضرار وإعادة الاستهداف.
وتعد أهمية هذا السيناريو أنه لا يراهن على "الإصابة من أول مرة"، بل على إيقاع عملياتي يراكم الأثر مع الحفاظ على القدرة على الاستمرار. هذا منطق كلاسيكي في الحملات الجوية، لكن تعقيده في حالة إيران أكبر بسبب أن الرد ليس بالضرورة جوياً، بل صاروخي وبحري وبالوكالة.
السيناريو الثالث يركز على "منع الرد" أكثر من تركيزه على "تدمير الهدف". هنا يكون مركز الثقل هو منصات الإطلاق، وسلاسل التزويد، وشبكات القيادة والسيطرة التي تمكّن إطلاق الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب ما يربط القدرات الإيرانية بساحات الوكلاء.
ويوضح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره "تحليل مفتوح المصدر لقدرات إيران الصاروخية والمسيّرات وانتشارها"، أن الصواريخ الباليستية والمسيّرات ليست فقط أدوات ردع، بل أدوات قتال تُستخدم أيضاً عبر الشركاء الإقليميين، وأن إيران تطور طرقاً متنوعة لنقل القدرات، من التحويل المباشر إلى نقل خطوط إنتاج أو دعم عبر أطراف ثالثة. هذه الخلفية تفسر لماذا قد ترى واشنطن أن شل "شبكة الرد" أولوية أعلى من ضرب منشأة بعينها، لأن منشأة قد تُعاد هندستها، أما شبكة الرد إذا بقيت فعالة فستجعل أي حملة قصيرة تتحول إلى استنزاف سريع.
البحر: من خيار ثانوي إلى ساحة حسم
وتملك أي مواجهة مع إيران مساراً طبيعياً نحو البحر، ليس فقط لأن طهران قد تستخدم الألغام والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية، بل لأن مجرد رفع مستوى الخطر في الممرات البحرية يكفي لإحداث أثر اقتصادي عالمي.
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" أن إيران أعلنت إغلاقاً مؤقتاً لمضيق هرمز خلال تدريبات نيران حية، وذكرت أن المضيق يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط العالمية، وهو رقم يُستخدم على نطاق واسع في تقديرات المخاطر على السوق. تاريخياً، تُظهر تجربة "إرنست ويل" في 1987–1988، والتي توصف في السرديات العسكرية بأنها أكبر عملية مرافقة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية، كيف تتحول حماية الناقلات إلى حرب موارد ووقت ومخاطر ألغام، وهو ما أعاد تحليله موقع "وور أون ذا روكس" في 20 آذار/مارس 2024 عند مراجعة "حرب الناقلات" بوصفها درساً في حدود القوة البحرية أمام أدوات غير متكافئة. مغزى هذه المقارنة أن التحشيد البحري الراهن ليس "ملحقاً" بالحملة الجوية، بل ضمانة لعدم نجاح إيران في نقل المعركة إلى الاقتصاد العالمي.
نموذج أميركي لحماية المصالح
ويكشف التحشيد الحالي قالباً أميركياً يتكرر كلما أرادت واشنطن حماية مصالح حيوية تحت تهديد مركب. فهو يقوم على الجمع بين القدرة الهجومية والقدرة الدفاعية في حزمة واحدة، بما يسمح لواشنطن بالتصعيد دون أن تُبتز برد صاروخي أو بحري يفرض عليها التراجع. كما يقوم على إدارة الاستنزاف بوصفه جزءاً من القرار السياسي، وهو ما يشرحه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في حديثه عن استنزاف الاعتراضات، لأن حماية القواعد والأساطيل ليست مسألة تكتيكية بل "اقتصاد حرب" يعتمد على مخزون واعتمادات ووتيرة إنتاج. وأخيراً، يقوم هذا القالب على قابلية النقل، إذ إن "مسرح العمليات" الذي يتشكل حول إيران اليوم—من منصات قيادة وسيطرة واستطلاع وبحرية ودفاع جوي—يمكن إعادة استخدامه كمنصة جاهزة في أزمات أخرى حيث تتشابك المصالح الأميركية مع تهديدات صاروخية أو بحرية أو بالوكالة.
إدارة حرب متعددة المجالات
وفي خلفية المشهد، تتابع موسكو وبكين الأزمة باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة الولايات المتحدة على تشغيل قوة بعيدة المدى تحت تهديد صاروخي. وربطت " فايننشال تايمز" التحشيد بنقاشات داخلية في واشنطن حول خيارات الضرب وحدودها، بينما تشير "رويترز" إلى دعوات روسية لضبط النفس بالتزامن مع تصاعد الانتشار الأميركي.
بالنسبة لروسيا، ليست المسألة دفاعاً عن إيران بقدر ما هي مراقبة لمدى قدرة واشنطن على إدارة حملة طويلة دون انكشاف قواعدها أمام موجات الإشباع. أما الصين، التي تتأثر مباشرة بمخاطر الملاحة والطاقة، فتقرأ أي توتر في المضائق بوصفه تهديداً لسلاسل الإمداد، ما يجعل الاستقرار البحري مسألة استراتيجية لها حتى لو بقيت خارج الاشتباك.
ولا يقدم التحشيد الأميركي الحالي حول إيران دليلاً قاطعاً على قرار حرب وشيك، لكنه يقدم دليلاً شبه قاطع على أن واشنطن تبني خيار الحرب كخيار قابل للتنفيذ والاستمرار، لا كتهديد لفظي. والمقارنة مع 2003 تذكر بحجم الحشد حين قررت الولايات المتحدة تغيير نظام عبر البر، بينما المقارنة مع 1991 تذكر بأن الحشد الضخم كان شرطاً لإدارة حرب تقليدية واسعة. أما اليوم، فالحشد الكبير يأخذ شكلاً مختلفاً: ليس كتلة برية، بل شبكة هجومية دفاعية لاحتواء رد صاروخي وبحري ووكلاء، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية من موقع قوة.
وفي هذا المعنى، قد تكون إيران هي العنوان المباشر… لكن النموذج هو نموذج الولايات المتحدة في حماية مصالحها حين تشتبك الجغرافيا العسكرية بالاقتصاد العالمي وبالتنافس بين القوى الكبرى.
