قلّما أجمعت القوى السياسيّة اللبنانيّة، على امتداد الطيف السياسي، كما حصل منذ ليلة يوم الإثنين، باستنكارها ورفضها للرسوم والزيادات الضريبيّة الجديدة التي أقرّتها الحكومة. في نهاية الأمر، ما زالت الانتخابات النيابيّة، رغم كل الضجيج والخلافات القائمة حولها، احتمالًا واردًا. واتخاذ المواقف الاعتراضيّة تبقى خيارًا أمثلًا، رغم مشاركة معظم هذه القوى السياسيّة في الحكومة، ومساهمتها في التخطيط لسياسة الدولة الماليّة، بما في ذلك المشاركة في إعداد الموازنة ثم إقرارها داخل مجلس الوزراء.
لكن من حسن الحظ، كانت موازنة 2026 قد نُشرت في الجريدة الرسميّة مؤخرًا، بما في فيها البنود التي مهّدت الطريق لفرض الرسم الجديد على المحروقات. اللافت هنا، هو أنّ هذه البنود جرى فرضها في إطار المناقشات داخل لجنة المال والموازنة، وبالاتفاق بين رئيس اللجنة إبراهيم كنعان ووزير الماليّة ياسين جابر، أي أنّها لم تكن جزءًا من مشروع قانون الموازنة المُحال من قبل الحكومة. وبهذا المعنى، كان النوّاب داخل اللجنة قد اتخذوا قرارًا واعيًا، بإتاحة المجال أمام هذا الرسم الجديد، بموازاة الضغط الحاصل لتصحيح أجور العاملين في القطاع العام.
بهذا الشكل، تخوض جميع القوى السياسيّة الحملات الاستعراضيّة في مواجهة هذا الرسم الجديد، رغم اشتراك معظمها -وعن سابق تصوّر وتصميم- في التحضير له. وهذه القوى نفسها، هي من امتنع عن مناقشة أي تحوّل في السياسة الضريبيّة للدولة، لإتاحة واردات جديدة وبديلة، قادرة على تمويل الزيادات في تعويضات ورواتب المتقاعدين والعاملين في القطاع العام.
فماذا يخبرنا قانون موازنة 2026 عن نقاشات مجلس النوّاب؟
تمديد التفويض
في 10 شباط الماضي، وقّع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون قانون الموازنة وأصدره، بعدما أقرّه المجلس النيابي أواخر شهر كانون الثاني، وهو ما أتاح نشر القانون لاحقًا في الجريدة الرسميّة.
المفاجئ في القانون، وفي المادّة 55 منه بالتحديد، كان تضمينه تفويضًا تشريعيًا للحكومة، في الحقل الجمركي، وهو ما يعطي الحكومة حق إصدار مراسيم لتعديل الرسوم الجمركيّة من دون المرور بمجلس النوّاب. ونصّت المادّة على استمرار العمل بهذا التفويض، حتّى 31 كانون الأوّل 2028، ما يعني سريانه لفترة ستمتد لغاية ثلاث سنوات. وعلى أساس هذا التفويض بالذات، تمكنت الحكومة يوم أمس من إضافة الزيادة على أسعار المحروقات، باستخدام حق التشريع وتضمين الأسعار هذا الرسم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النوّاب كان قد أعطى الحكومة اللبنانيّة هذا الحق سابقاً في تشرين الأوّل 2018، وبمهلة تمتد لغاية خمسة سنوات، ما يعني أنّ الحكومة اللبنانيّة فقدت هذا الحق ابتداءً من أواخر العام 2023. ومع ذلك، قرّر مجلس الوزراء في تلك السنة تمديد العمل بهذا التفويض، بالاستناد إلى تفسير معيّن لقرارات تعليق المُهل، وهذا ما أتاح لمجلس الوزراء إصدار عدّة قرارات لاحقة ترتبط بالرسوم الجمركيّة.
في نقاشات لجنة المال والموازنة، قرّر النوّاب إعطاء هذا الحق مجدداً للحكومة، ضمن موازنة العام 2026، ولثلاث سنوات جديدة. مع الإشارة إلى أنّ الحكومة نفسها لم تقترح إعطاء مجلس الوزراء هذا التفويض في نص مشروع القانون المُرسل من قبلها، وهو ما يشير إلى أنّ المسألة كانت في جوهرها "تسوية برلمانيّة"، لتمكين وزير الماليّة من تأمين موارد ماليّة جديدة، وتمويل الزيادات في رواتب وتعويضات القطاع العام.
ومن المفيد التذكير بأنّ الحكومة اللبنانيّة كانت قد اتخذت سابقاً قراراً مشابهًا، يقضي بفرض رسم جديد على المحروقات. غير أنّ مجلس شورى الدولة أبطل هذا القرار، على اعتبار أنّ الحكومة تجاوزت حدّ السلطة، بفرض قرار من هذا النوع من دون الحصول على موافقة البرلمان. وبهذا الشكّل، مكّنت التسوية البرلمانيّة الحكومة من إعادة إصدار القرار نفسه، إنما مع سند قانوني يتيح للحكومة التشريع في المجال الجمركي، وفرض هذه الرسوم الجديدة على المحروقات.
بدائل ممكنة
في جميع الحالات، من المرتقب أن يؤمّن رسم البنزين الجديد قرابة الـ 200 مليون دولار أميركي لتأمين الزيادة على الرواتب والتعويضات في القطاع عام، على أن تؤمّن الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة نحو 600 مليون دولار أميركي من هذه الكلفة. وإذا كانت الحكومة تملك السند التشريعي لفرض الرسم على البنزين، فإقرار الزيادة على الضريبة على القيمة المضافة سيحتاج إلى إقرار مشروع قانون جديد. وسيملك المجلس النيابي أيضاً صلاحيّة إبطال قرار الحكومة بخصوص رسم البنزين، إذا وجد أنّ القرار تخطّى حدود التفويض الممنوح أساساً.
بهذا الشكل، سيكون أمام الكتل النيابيّة القدرة على صدّ هذه الزيادات الضريبيّة، ومن ثم التفاوض مع وزير الماليّة على مصادر بديلة للإيرادات المطلوبة، لتمويل الزيادات على التعويضات والرواتب. وهذه الخطوة لن تعني الإطاحة بتلك الزيادات، بل يمكن أن تكون باباً للبحث في ضرائب جديدة من فئات مختلفة، وخصوصًا تلك التي تستثني من عبئها الفئات الأكثر فقراً أو المحدودة الدخل. وهكذا، يمكن للكتل النيابيّة أن تُقرن شعارات وخطاباتها بأفعال واضحة، بدل الاكتفاء بالعناوين الاستعراضيّة.
