JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

واشنطن تحاصر إيران من القوقاز.. إكمال الطوق العسكري؟

خط المقالة

مع تصاعد المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران على أكثر من ساحة، من الخليج إلى العراق وسوريا، تبرز في الأسابيع الأخيرة مؤشرات متزايدة على تحول نوعي في استراتيجية الضغط الأميركية، يقوم على توسيع نطاق الحصار ليشمل الجبهة الشمالية لإيران عبر منطقة القوقاز.

فبعد سنوات من تركيز واشنطن على تطويق طهران من الجنوب والغرب، بدأت ملامح تحرك متدرج لبناء موطئ قدم لوجستي وسياسي في كل من أرمينيا وأذربيجان، ما يفتح الباب أمام سيناريو حصار متعدد الاتجاهات، تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية.

وتعزز هذه الفرضية بيانات تتبع حركة الطيران، إلى جانب تصاعد وتيرة الزيارات الأميركية الرفيعة إلى المنطقة، ما يعيد طرح سؤال مركزي: هل تمهد واشنطن فعلياً لجبهة ضغط جديدة ضد إيران من الشمال؟

نشاط جوي غير مسبوق 

وأظهرت بيانات ملاحية من منصة "فلايت رادار 24" تنفيذ القوات الجوية الأميركية نحو 35 رحلة شحن عسكري إلى كل من أرمينيا وأذربيجان خلال فترة زمنية قصيرة، وبوتيرة تصاعدية لافتة.

وبحسب تحليل أجرته "الجزيرة"، بدأت هذه الرحلات في 30 كانون الثاني/يناير 2026، بوتيرة محدودة، واستمرت حتى 5 شباط/ فبراير، قبل أن تتسارع بشكل واضح اعتباراً من 6 شباط/فبراير، لتبلغ ذروتها يومي 10 و11 من الشهر ذاته، بواقع ست رحلات يومياً، وإجمالي 12 رحلة خلال يومين فقط.

ويعكس هذا النسق الزمني نمطاً من التخطيط المسبق، لا مجرد استجابة ظرفية لتطور طارئ، ما يشير إلى إدراج القوقاز ضمن شبكة الانتشار الأميركي المرحلي.

حلقة الشمال في الطوق الإقليمي

وتصدرت أرمينيا القائمة بـ20 رحلة شحن عسكري، مقابل 15 رحلة إلى أذربيجان. وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من الموقع الجغرافي للدولتين، اللتين تشكلان الامتداد المباشر للحدود الشمالية لإيران، وتفتحان مجالاً لبناء عمق لوجستي بعيداً عن ساحات الاشتباك التقليدية.

كما تقع الدولتان ضمن فضاء قوقازي شديد الحساسية، يشهد منذ سنوات تنافساً حاداً بين روسيا والغرب، فضلاً عن تداخل النفوذ التركي والإيراني فيه، ما يجعل اختراقه أميركياً مكسباً استراتيجياً مزدوجاً في سياق إعادة هندسة موازين القوى المحيطة بإيران.

وتكشف البيانات أن أكثر من نصف الرحلات انطلقت من قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا، أكبر قاعدة أمريكية في أوروبا، وأحد أهم مراكز إعادة الانتشار العسكري في حالات الطوارئ.

ويشير هذا المعطى إلى بناء جسر جوي منظم يربط أوروبا بالقوقاز، يسمح للولايات المتحدة بنقل المعدات والإمدادات بسرعة، دون المرور بمناطق نزاع مفتوح، ويعكس في الوقت نفسه إدماج التحركات القوقازية ضمن منظومة الردع الأطلسي الأوسع.

ونُفذت غالبية الرحلات باستخدام طائرات الشحن الثقيل من طراز "سي-17 غلوب ماستر"، القادرة على نقل معدات ثقيلة وأنظمة دعم وتشغيل، بحمولة تصل إلى نحو 78 طناً.

في المقابل، سُجلت أربع رحلات فقط بطائرات "كوماندو-2"، المرتبطة عادة بعمليات القوات الخاصة والدعم التكتيكي. ويعكس هذا التفاوت تركيزاً واضحاً على بناء بنية إمداد طويلة الأمد، وليس على تنفيذ عمليات نوعية محدودة، ما يشير إلى تهيئة مسرح لوجستي قابل للتفعيل في أي لحظة.

الغطاء السياسي للتحرك العسكري

ويتزامن هذا النشاط الجوي مع جولة إقليمية رفيعة المستوى أجراها نائب الرئيس الأمريركي جيه دي فانس، إلى منطقة جنوب القوقاز، مطلع شباط/فبراير الجاري، في ما عُدّ أعلى مستوى زيارة أميركية للمنطقة منذ سنوات.

وخلال الفترة بين 9 و10 شباط، زار فانس أرمينيا، حيث التقى كبار المسؤولين، وجرى توقيع اتفاقيات تعاون شملت مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، في مؤشر على سعي واشنطن لتعزيز حضورها داخل دولة كانت تاريخياً ضمن نطاق النفوذ الروسي.

وفي 10 و11 شباط/فبراير، انتقل فانس إلى أذربيجان، حيث وقّع مع المسؤولين في باكو اتفاق شراكة استراتيجية، ركز على التعاون الأمني والطاقة ومشاريع النقل الإقليمي، إلى جانب دعم مشاريع الربط الاقتصادي مع أوروبا.

وترافقت الجولة مع رسائل سياسية واضحة بشأن دعم الاستقرار في القوقاز، وتعزيز دور واشنطن في ترتيبات ما بعد النزاعات الإقليمية، في وقت تتراجع فيه الأدوار التقليدية لروسيا في المنطقة.

ويعكس هذا التوازي بين التحرك العسكري والدبلوماسي محاولة أمريكية لتوفير غطاء سياسي متكامل لبناء حضور دائم في محيط إيران الشمالي.

حصار اقتصادي موازٍ

وفي خلفية المشهد، يبرز مشروع ممر النقل المعروف باسم "تريب"، المرتبط بممر "زنغزور"، بوصفه أحد أدوات الضغط الجيو-اقتصادي المحتملة على إيران.

ويهدف المشروع، وفق تقديرات متداولة، إلى تقليص دور إيران كممر بري يربط روسيا بأوروبا عبر أرمينيا، وحرمانها من أحد أهم أوراقها الجيوسياسية التقليدية، عبر تحويل مسارات التجارة والطاقة نحو القوقاز وتركيا وأوروبا الشرقية. وبذلك، يتكامل المسار العسكري الجوي مع مسار اقتصادي طويل الأمد، يقوم على إعادة رسم خرائط النقل والتجارة في محيط إيران.

القوقاز ساحة خلفية للصراع 

وتُظهر هذه المعطيات مجتمعة أن منطقة القوقاز لم تعد مجرد هامش جغرافي في معادلة الصراع، بل تتحول تدريجياً إلى ساحة خلفية لإدارة المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

فبدل المواجهة المفتوحة، تعتمد الولايات المتحدة على مقاربة مركبة تقوم على بناء شبكات إمداد مرنة، وتوسيع النفوذ السياسي والدبلوماسي، وربط الضغط العسكري بالاقتصادي، وخلق خيارات تدخل جاهزة عند الحاجة، وهي مقاربة تتيح رفع مستوى الضغط دون تحمل كلفة الحرب المباشرة.

وحتى الآن، لا تشير البيانات المتاحة إلى تحضير أمريركي لهجوم مباشر من الجبهة الشمالية. غير أنها تكشف بوضوح عن مسار تطويق تدريجي لإيران عبر القوقاز، يقوم على إعادة تموضع مدروس، وبناء بنية لوجستية قادرة على دعم أي تصعيد مستقبلي، بالتوازي مع توسيع الحضور السياسي والاقتصادي في المنطقة.

وفي ظل تعثر المسارات التفاوضية، وتصاعد الاستقطاب الإقليمي، يبدو أن واشنطن تسعى إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية تحسّباً لأي انهيار محتمل في مسار التفاوض. وبينما تواصل إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، يترسخ القوقاز تدريجياً كضلع جديد في معادلة حصار إيران، في انتظار لحظة سياسية أو عسكرية قد تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة.

Kommentare
NameE-MailNachricht