JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

عمليات دقيقة في إيران ولبنان.. كيف تنسقّها واشنطن وتل أبيب؟

خط المقالة

راغب ملي - المدن

في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد والتحشيدات العسكرية الأميركية، عادت المخاوف في لبنان من احتمالات الحرب، وبرزت سيناريوهات تشمل ضربات متزامنة تستهدف "حزب الله"، واغتيالات دقيقة قد تطاول قياداته. ويبدو ذلك منسجمًا مع نهج أميركي–إسرائيلي يركّز على استهداف الرموز، خصوصًا في ضوء تهديدات سابقة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد المرشد الإيراني.

وقد تعزّزت هذه الفرضيات مع العملية الأميركية الأخيرة في فنزويلا التي أفضت إلى اعتقال نيكولاس مادورو، مما أعاد تسليط الضوء على القدرات التقنية المتقدمة التي تمتلكها واشنطن وتل أبيب، والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تتيح تنفيذ عمليات أمنية دقيقة وخاطفة.

منظومات تقنية متجانسة

هذه التقنيات، يُنظر إليها بوصفها منظومات رقمية متكاملة تعمل على أكثر من مستوى، وليس كأدوات منفردة أو أنظمة مستقلة تتخذ القرار النهائي بذاتها. ويقوم جوهر هذه القدرات، وفق الأدبيات العسكرية والتقنية، على دمج البيانات متعددة المصادر (Data Fusion)، حيث يتم تجميع معلومات ضخمة ومتزامنة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار، واعتراض الاتصالات، وقواعد البيانات الاستخباراتية. ويكمن التحدّي التقني الأساسي هنا، ليس في نقص المعلومات، بل في القدرة على تنظيمها وتحليلها واستثمارها في وقت قياسي.

أنظمة تحليل 

في الولايات المتحدة، يُستخدم الذكاء الاصطناعي ضمن ما يُعرف بـ"سلسلة القتل " (Kill Chain)، وهي إطار عملياتي يبدأ بالاكتشاف، ثم التحليل والتصنيف، وصولًا إلى تحديد ما يُشار إليه بـ"نقاط الاهتمام". وتُعد أنظمة مثل Maven Smart System مثالًا على هذا التوجّه، إذ صُمّمت لتسريع هذه المراحل من خلال الاعتماد على خوارزميات تعلّم آلي تقوم بفرز البيانات المرئية والرقمية، واكتشاف الأنماط المتكررة، وربط الأحداث المتباعدة ضمن سياق واحد. ووفق ما هو معلن، لا تُصدر هذه الأنظمة قرار الاغتيال بحد ذاته، لكنها تسهم في تقليص الزمن الفاصل بين رصد المعلومة ورفعها إلى مستويات القيادة، وهو عامل يُعد حاسمًا في العمليات الدقيقة.

أما في إسرائيل، فتشير تقارير متعددة إلى اعتماد متزايد على أنظمة تحليل شبكي متقدّمة تُستخدم لبناء نماذج رقمية للهياكل التنظيمية والبشرية. تقنيًا، يتم تمثيل الأشخاص والمواقع ووسائل الاتصال كعناصر داخل شبكة مترابطة، ويُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل هذه الشبكات وتحديد ما يُعرف بـ"العُقَد" الأكثر تأثيرًا. وفي هذا النوع من التحليل، لا يُنظر إلى الهدف كعنصر معزول، بل كجزء من منظومة علاقات أوسع، مما يسمح بتقدير الأثر العملياتي المحتمل لاستهدافه على مجمل البنية.

نظام Gotham

ضمن هذه البيئة الرقمية، تلعب منصات تحليل متقدمة أميركية مثل Palantir Gotham دورًا محوريًا، حيث تُستخدم هذه المنصة كبيئة تشغيلية لكل من الجيش الأميركي وبعض الوحدات الإسرائيلية لتحليل البيانات الاستخباراتية وتحويلها إلى ما يُعرف بـ"الصورة التشغيلية المشتركة". وتعتمد Gotham على بنية يُشار إليها بـ"الأنطولوجيا"، حيث يتم تنظيم الواقع الرقمي في شكل كيانات (أشخاص، أماكن، مركبات، أجهزة) وروابط (اتصال، تواجد، تنسيق، تمويل). ويتيح هذا التنظيم إجراء تحليلات معقّدة بسرعة عالية، تشمل تتبّع العلاقات، ومقارنة السلوكيات عبر الزمن، وربط أحداث متفرقة ضمن إطار تحليلي واحد.

من الناحية الفنية، لا تقوم هذه المنصّات بتنفيذ عمليات الاغتيال بشكل مباشر، لكنها تُستخدم في المراحل التي تسبقها، مثل تحديد الأنماط، وتوقّع السلوكيات المحتملة، ورسم السيناريوهات العملياتية. وفي سياق العمليات الدقيقة، تُعد هذه القدرات أساسية لتقليص هامش الخطأ والمساعدة في تقدير التوقيت والمكان بدرجة عالية من الدقة.

تحليل الروتين اليومي

ويتمثل عنصر تقني آخر في أنظمة التتبع الزمني والسلوكي، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل الروتين اليومي للأهداف المحتملة، ورصد التغيّرات المفاجئة في أنماط الحركة، والاختلافات غير الاعتيادية في السلوك. وتعتمد هذه التحليلات على تراكم البيانات عبر فترات زمنية طويلة، ما يسمح بتقدير احتمالية وجود شخص ما في مكان وزمان معيّنين بدرجة ترجيح مرتفعة.

كما تلعب أنظمة الربط الآني (Real-time Integration) دورًا محوريًا، إذ يتم تحديث البيانات بشكل مستمر وربطها مباشرة بمنصّات القيادة والسيطرة. ويتيح ذلك إعادة تقييم الأهداف في الزمن الحقيقي، ضمن ما يُعرف تقنيًا بـ"الاستهداف الديناميكي"، حيث يمكن تعديل القرار العملياتي بسرعة استجابة للتغيّرات الميدانية.

شراكة أميركية - إسرائيلية

وفي هذا الإطار، تعكس الشراكات التقنية المعلنة، سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل، توجّهًا متزايدًا نحو إدماج الذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي في البنية العسكرية الحديثة. وبذلك، لم تعد العمليات الدقيقة تعتمد فقط على العمل الاستخباراتي التقليدي أو العنصر البشري وحده، بل باتت نتاج منظومات رقمية معقّدة تُدار بالبيانات والخوارزميات بقدر ما تُدار بالقدرات الميدانية.

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن عمليات اغتيال "مدعومة بالذكاء الاصطناعي" لا يشير إلى سلاح واحد أو تقنية منفردة، بل إلى منظومة متكاملة تجمع بين جمع البيانات الكثيف، والتحليل الخوارزمي، والدمج الشبكي، والتحديث اللحظي للمعلومات، وهي منظومة تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة متقدّمة على تنفيذ عمليات عالية الدقة وسريعة القرار، قائمة على تفوّق معلوماتي واسع النطاق.


 

تعليقات
الاسمبريد إلكترونيرسالة