JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
آخر الأخبار

تقاعد أدرعي: لبنانيون يغسلون وجه العدو بكلمات الوداع

خط المقالة

جاء في المدن:

أعاد خبر تقاعد أفيخاي أدرعي طرح سؤالٍ قديمٍ على الإعلامي والصحافي والناشط: "ماذا يحدث حين تُفقد اللغة موقفها؟"

ففي اللحظة التي غادر فيها الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي موقعه، بدا بعض المدوّنين، وكأنهم يخطّون سيرةً مهنية لرجلٍ وطني، أما عناوين الأخبار الصادرة عن بعض المنصّات والمواقع الإلكترونية، فودّعته كزميلٍ في المهنة، وليس كترس دعائي في آلةٍ ما زالت تُمعن في العدوان على لبنان وغزة.

بهذا القدر من الخفّة، تحوّل الخطاب إلى إعلانٍ مزيَّنٍ لوجه العدو، ولو جاء ذلك من غير قصد.

السياق الغائب: من هو أدرعي حقاً؟

قبل الغوص في طريقة تناول الخبر، لا بدّ من التذكير بحقيقةٍ أساسية: لم يكن أفيخاي أدرعي إعلامياً يطوي صفحة عملٍ مهني، ولا صحافياً يودّع زملاءه بعد سنواتٍ من الظهور، ولا شخصيةً عامة تركت أثراً في المشهد اللبناني.

كان وما زال، ضابطًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، يتولى الواجهة الناطقة بالعربية لآلةٍ عسكرية تواصل اعتداءها على لبنان، تحتل أراضيه في الجنوب، وتهجّر أبناء القرى الحدودية، وتقصف بطائراتها ومسيّراتها المنازل والحقول، وتترك خلفها شهداء من الرجال والنساء والأطفال، وحرائق لا زالت نيرانها حتى الآن تجتاح الأملاك العامة وأرزاق الناس.

من هذا المنطلق، بدا الحديث عن تقاعده بلغة وداعية، مثيراً للاستغراب، وأثار انتقادات واسعة، إذ رأى كثيرون أن محتوى توديع أدرعي، خارج عن حدود اللياقة الأخلاقية والمهنية، ومناقض لواقعٍ ما زال يشهد العدوان نفسه الذي مثّله بصوته وخطابه.

عناوين تُجمّل العدوان

ولعلّ هذا ما يفسّر الموجة النقدية التي طاولت بعض عناوين المواقع الإخبارية ووسائل الإعلام، إضافةً إلى تغريدات إعلاميين وناشطين، حيث بدا الخبر في كثير من الأحيان أقرب إلى مادةٍ إنسانية خفيفة تُقدّم أدرعي كـ"شخصية عامة" تغادر المشهد، وكمناضل إعلامي، وكصحافي مهني..

فقد بعض العناوين نبرة رثاءٍ مبطّنة، كأنها تتحدث عن مذيعٍ شهير أو موظفٍ أنهى خدمته بسلام: "بعد 30 عاماً من الخدمة.. أدرعي يودّع الجيش الإسرائيلي"، و"لا إنذارات بعد اليوم.. أدرعي يستعد لمغادرة منصبه".

هذه اللغة التي تُضفي طابعاً عادياً على الحدث، نزعت عنه سياقه العدواني، فظهرت كأنها تمنح العدوّ ملامح موظف مسالم يغادر عمله، وكأنه ليس ضابطاً في جيش الاحتلال. ضابط بمهمة عسكرية وراء الشاشة، وفي داخل المنصات الرقمية، وليس على الجبهة التي لا يزورها إلا بشكل متقطع لتقوية محتواه الدعائي. 

الوعي ومساءلة الخطاب

ومع انتشار هذه الصياغات، امتلأت مواقع التواصل بانتقادات وسخرية لاذعة من هذا النوع من الخطاب، إذ رأى كثيرون أن طريقة التناول تُجمّل وجه العدو وتُفرغه من معناه الحقيقي كرمزٍ للاحتلال.

تكرّر في التعليقات استغراب مماثل: كيف يمكن أن يكون "هناك من أحبّه وهناك من كرهه"؟ وهل يمكن أصلاً وضع ضابطٍ في جيشٍ يبرّر مجازره في خانة المفاضلة الإنسانية؟

حتى العبارة التي تحدّثت عن "انتهاء الإنذارات"، قرأها البعض كرمزٍ فجّ لتغافل الإعلام عن واقعٍ لا تزال فيه الإنذارات الحقيقية تتجسّد في القصف والدمار.

المهنية بين الحياد والمسؤولية

الانتقادات التي طاولت أسلوب تغطية تقاعده، لم تكن انفعالاً لحظياً، بل محاسبة لخطابٍ إعلاميّ غاب عنه الإحساس بالانتماء الأخلاقي والوطني. فالمهنية لا تعني التجرّد من الموقف، ولا تبرّر التعامل مع العدو كأنه شخصية عادية، بل تفرض أن يوضع الحدث في سياقه الحقيقي، وأن تُحفظ الذاكرة من التجميل والنسيان.

ولعلّ هذا ما غاب عن أقلام تعاملت مع أدرعي كأنه جزء من المشهد الإعلامي العربي، بينما هو في الحقيقة صوتٌ من أصوات العدوّ، لا صفحة من صفحات المهنة.

وجب التذكير هنا أن لبنان الذي يواجه عدواناً يومياً، يبقى غير معنيّ بتقاعد ناطق الاحتلال ولا بإنجازاته المزعومة، بل بما خلّفه خطابه من تشويهٍ متعمّدٍ للحقائق ومحاولةٍ دؤوبة لتطبيع القهر.

وحين يكتب بعض الإعلاميين عنه كما لو كان مذيعاً يغادر الأضواء، فإنهم في الحقيقة يمنحون العدوّ تبييضاً لصفحة عدوانية عسكرية، مكتوبة بحبرٍ لبنانيّ. ما يجري، هو غسل وجه العدوّ بالكلمات، بينما تبقى صوته وصواريخه تمارس الفعل نفسه ضد لبنان.

Commentaires
NomE-mailMessage