صيدا تقفل المطمر: "التيار" و"القوات" عاجزان أمام نفايات جزين

نغم ربيع -المدن

لم يكن قرار بلدية صيدا وقف استقبال نفايات قضاء جزّين مجرّد تفصيل تقني، ولا إجراءً إدارياً عابراً في معملٍ أنهكته الأعطال والتراكمات. هو قرارٌ فتح، دفعة واحدة، على هشاشة مزمنة في إدارة ملف النفايات، وعلى ثِقل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وعلى قابلية أي ملف بيئي في لبنان للتحوّل سريعاً إلى ساحة اشتباك سياسي مفتوح.

الشرارة جاءت مع الكتاب الذي وجّهه رئيس بلدية صيدا، مصطفى حجازي، إلى شركة IBC، طالباً عدم مشاركتها في مناقصة اتحاد بلديات جزّين. خطوةٌ تعني عملياً وقف استقبال أي نفايات خارج اتحاد صيدا–الزهراني، وتعيد رسم حدود الأزمة بين مدينة تقول إنها لم تعد تحتمل، ومنطقة وجدت نفسها فجأة أمام مأزق بلا بدائل جاهزة.

"صيدا لم تعد تتحمّل"

في اتصال مع "المدن"، يشرح حجازي خلفية القرار بلهجة حاسمة: "المعمل لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من النفايات. هناك جبال من الزبالة في صيدا. المدينة لم تعد تتحمّل بيئياً".

وفق معلومات "المدن" مشكلة المعمل تقنية بالدرجة الأولى، تفاقمت بشكل حاد بعد أزمة عام 2019 التي دمّرت قدراته المالية والتشغيلية. فقبل الانهيار، كان المعمل يعمل بكامل طاقته، وخضع حينها لكشف من وزارة البيئة خلُص إلى أن قدرته الاستيعابية تسمح باستقبال نفايات من صيدا وجزين وحتى من بيروت. وعلى هذا الأساس، بدأ المعمل باستقبال نفايات أكثر من تلك التي تقع ضمن إتحاد صيدا-الزهراني وعددها 16.

محامي بلدية صيدا، حسن شمس الدين، ينفي أي بعد سياسي للقرار، قائلاً: "مضمون الكتاب ليس جديداً. تقدّمنا به عام 2024. غير صحيح أنه قرار فجائي. لكن مع اقتراب انتهاء مهلة المناقصة مع بداية 2026، كان لا بدّ من الحسم". ويضيف "البلدية ترفض تمديد أي يوم إضافي. الوضع بيئي بحت، ولا مبرّر لزيادة التراكمات قبل استكمال عملية التوريد".

جزّين تُفاجَأ… وتتحرّك

في المقابل، جاءت ردة الفعل في جزّين سريعة، خاصة وأن القرار، بحسب البعض، لم يُسبَق بإنذار أو تنسيق فعلي، ما دفع رؤساء بلديات إلى التحرّك باتجاه صيدا لحل للمشكلة، في مشهد سرعان ما اكتسب طابعاً سياسياً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النيابية.

انقسم المشهد بين محاولات احتواء الأزمة ورفع السقوف السياسية، في منطقة أصلاً ممزقة بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية". ومع تصاعد التوتر، بدأ كل طرف في توجيه الاتهامات للطرف الآخر، وتحولت الأزمة إلى ساحة سجال على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت شعارات مثل "قوات التعطيل"، في المقابل كانت القوات تردّ باتهام التيار بتزوير الحقائق. وفي خضم هذا التبادل، صار كل طرف يسعى بوضوح لتسجيل نقاط سياسية، على حساب إدارة الأزمة البيئية التي بدأت تخرج عن السيطرة.

لا علاقة لوزارة البئية

الأزمة دفعت إلى اجتماع عُقد يوم الإثنين 12 كانون الثاني، ضمّ رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي، رئيس اتحاد بلديات جزّين بسّام رومانوس، وزيرة البيئة تمارا الزين، وصاحب المعمل. وبحسب معلومات "المدن"، اعتبرت الوزيرة أنّ الموضوع ليس من صلاحية الوزارة بشكل مباشر، وأنّ دورها يندرج في الإطار البيئي، لكنها، من موقع المسؤولية، لا تستطيع عدم إعطائه الأولوية.

وطلبت الزين من رئيس اتحاد بلديات صيدا-الزهراني توجيه كتاب يحدّد فيها الأسباب التي استند إليها قرار وقف استقبال النفايات، وكيف بدأ المسار الذي أوصل إلى هذه المرحلة. ومن رئيس اتحاد بلديات جزّين، بسّام رومانوس، تقديم كتاب يتضمن خطة مؤقّتة لمعالجة نفايات المنطقة، والخطوات العملية للوصول إلى حلّ نهائي لرفعهم إلى مجلس الوزراء.

وبحسب معلومات "المدن" من المرجح أن ينقل جزء من نفايات صيدا إلى مطمر آخر، بما يتيح فسح المجال أمام استقبال جزئي ومؤقّت لنفايات جزّين.بالتوازي مع التحضير لانعقاد اجتماع لاتحاد بلديات جزّين لبحث الخيارات المتاحة.

"المعمل طالب بالتوقّف منذ سنوات"

تشير معلومات "المدن" إلى وجود حديث عن حلّ طويل الأمد يقوم على تخصيص أرض قدّمها أحد المحسنين لإنشاء مرفق لمعالجة النفايات، ويرجَّح أن تكون في منطقة لبعا، التي يرأس بلديتها رئيس اتحاد بلديات جزّين. هذا المسار أشار إليه النائب القواتي سعيد الأسمر في حديثه إلى "المدن"، موضحاً أنّ "على المدى البعيد، قدّم أحد الخيرين أرضاً لمعالجة الملف، لكننا اليوم نبحث عن حلول مؤقّتة، لأن المعمل يحتاج إلى وقت".

ويعيد الأسمر التذكير بأنّ "القيمين على معمل النفايات في صيدا طالبوا بوقف استقبال نفايات جزّين منذ أكثر من أربع سنوات، لكن الضغط السياسي، وحتى تدخّل رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، أدّى إلى الاستمرار من دون أي معالجة جدّية".

في موازاة ذلك، كان التيار الوطني الحر قد اتهم، في بيان سابق، "القوات اللبنانية" بتعطيل مشروع إنشاء معمل لفرز النفايات في جزّين. ويردّ الأسمر على هذه الاتهامات مؤكداً أنّ "موقفنا كان علمياً بحتاً. الدراسات أظهرت أنّ الموقع المقترح يضرّ بالمياه الجوفية، وقدّمنا توصيات واضحة بضرورة اختيار موقع بديل. نحن بحاجة إلى معمل، نعم، لكن ليس على حساب صحة الأهالي".

وفي سياق تبادل المسؤوليات، يحمّل الأسمر التيار الوطني الحر جزءاً من تعطيل المسار التنفيذي، قائلاً "منذ تسلّم رئيس الاتحاد مهامه، رفض التيار الوطني الحر تشكيل لجان العمل بحجّة انتظار نتائج الطعن في انتخابات الاتحاد (راجع المدن). ليتوقف هذا النكد السياسي، لأن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من التعطيل". 

"السياسة عطّلت كل المحاولات"

في سياق السجال القائم حول المسؤوليات، يوضح رئيس بلدية جزّين والاتحاد السابق، خليل حرفوش، (تيار وطني حر) أنّ المقاربة التي اعتمدتها البلدية انطلقت من مبدأ بديهي "كل منطقة يجب أن تعالج نفاياتها". ويشير إلى أنّ محاولات إقامة معمل لمعالجة النفايات جرت ثلاث مرات، على أن يبدأ المشروع بخدمة مدينة جزّين ثم يتوسّع ليشمل القضاء بأكمله، وكان آخرها في عام 2024. "المشروع كان مدروساً علمياً ومرخّصاً"، يقول حرفوش، "لكن السياسة حالت دون تنفيذه".

في المقابل، تبرز اتهامات تتردّد من القوات اللبنانية عن عدم دفع مستحقات المعمل منذ نحو أربع سنوات، ما جعل استقبال نفاياتها، وفق هذه الرواية، بلا أي قيمة إضافية للمعمل. غير أنّ حرفوش ينفي هذه الاتهامات، مؤكداً لـ"المدن" أنّ "الدولة هي التي تدفع، ثم تستوفي الأموال لاحقاً من البلديات، والتأخير حصل من إدارة المعمل لا من جزّين".

ويختم بنداء واضح يدعو فيه إلى تحييد السياسة عن الملف "نتمنّى أن يُنحّى السجال السياسي جانباً، لنصل إلى حلّ مشترك وننقذ المنطقة من كارثة بدأت".

  • A-
  • A+

© Lebanese Citizens News. All rights reserved.